طائفية إنكار الطائفية

في الحالة السوريّة لا بدّ من التفريق بين أدوات السلطة و أدوات الدولة , و التفريق هنا ليس اصطلاحيّا دقيقاً بقدر كونه محاولة للتفسير فقط , أدوات الدولة – وزارات , دوائر حكوميّة , الخ – كانت متاحة للجميع دون تمييز و نال أكثرها بحكم الواقع الاجتماعي و الاقتصادي السنّة ليس لكونهم سنّة بقدر طبيعة التوزيع الاجتماعي السوري نفسه و كانوا ناشطين في نشر الفساد و الترهّل فيها ,
أدوات السلطة و الهيمنة المتمثّلة بأجهزة المخابرات و الأمن كانت تتصف بالهويّة الطائفيّة , و هذا الأمر الذي لا يجهله أي سوري , حتى بشار الأسد حضر مسرحيّات همام الحوت في حلب و التي كانت تتندّر على الهويّة الطائفيّة للعاملين في هذه الفروع , و كان واضحاً منذ بداية الثورة أنّ الثورة و إن كان لها أسباب موضوعيّة لترهّل الدولة و انتشار الفساد فيها , إلّا أنّ الذي أشعلها حقّا و أحالها إلى الشكل الجذري القطعي هو طبيعة السلطة و أفعالها , و هو الذي جعل الشعارات المضادّة للطائفيّة تظهر منذ البداية و هو الذي جعل الشعارات الطائفيّة تظهر في وقت لاحق كذلك , ما يدلّ على تعريف السلطة كواجهة طائفيّة بديهيّة في الوعي الجمعي السوري .
هذا لا ينبغي أن يلغي واقع أنّ معظم المناطق العلويّة هي فقيرة و مغيّبة عن الخدمات , وأنّ الوضع أفضل كثيراً في معظم مناطق الريف السنّي , إن أجزنا لأنفسنا هذا التقسيم يحكم الموضوع , و أنّ كون النظام طائفيّا لا يعني أنّ هذا مرتبط بمذهب الطائفة بالضرورة أو بشراكة كلّ منتم للطائفة له بالضرورة , و لا يعني كذلك أنّه كان يمكن أن يستمرّ لولا أساسه الشعبي و الاقتصادي المعتمد في معظمه على الأكثريّة , و لا يعني كذلك إلغاء التجييش الطائفيّ الذي أدّى إلى مجازر لم نكن نتخيّلها تقع في معظمها من وحوش أعماهم النظام عن الهاوية التي يودون بأنفسهم و بإنسانيّتهم فيها
هذه بديهيّات نعم , ولكن المشكلة أنّه لدى الكلام عن النظام السوري و ارتباطه بالمسألة الطائفيّة نُحال دوماً إلى أحد النموذجين القطبيّين المنفصلين عن فهم الواقع المركّب و المتداخل كما هو
– نموذج : النظام العلوي النصيري المجوسي الكافر
– نموذج : هذا النظام علماني و المجازر ليست طائفيّة و الدليل أنّ وليد المعلّم وزير خارجيّة !

***

في أوقات الأزمات المليئة بالدم يصبح الكلام المقنّع بديبلوماسيّة الشعارات أشبه بفاصل دعائي في فيلم سينمائي لا يلتفت له أحد المتفرّجين و لا يغيّر شيئاً من الفيلم نفسه .
بعد تراكم الأحداث الطائفيّة من النظام و وجود الاحتقان الطائفيّ في الشارع و خاصّة في مناطق التماسّ , يصبح الحديث عن الوحدة الوطنيّة و ” الشعب السوري واحد ” مضحكاً لو لم يكن مملّا و منفصلاً تماماً عن سيرورة الأحداث , يصبح الوعي متقوقعاً داخل صورة نمطيّة يحلم بها , كذلك الانفعال في الطرف المقابل الذي يعمى عن أيّ شيء سوى تعميمات الشيطنة و دعوات الردّ بالإبادة , كذلك يلجأ الوعي هنا للانحصار داخل الصورة المبسّطة للعدوّ , و هذا تعويض خطابي مفهوم عن الهزيمة النفسيّة التي يشعر بها و ليس جريمة بحدّ ذاته – ما دام كلاماً – بل هو ردّ الفعل الطبيعي في لحظة الأشلاء لدى عموم الناس التي لا تلتفت في معركة الوجود ثنائيّة الأقطاب بشكل واضح إلى التحليل المركّب للدم !

في أزمة كأزمتنا علينا أن نملك من الشجاعة ما يكفي للوضوح , لأنّ سياسة النعامة أثبتت أنّها طالما حاولت أن تغرس رأسها في الشعارات الورديّة فلن تفعل سوى غرس رأسها أعمق و أعمق ..
لدينا جرائم طائفيّة بشكل فاضح , ولدينا الملايين حقّا من الناس التي تتهم طائفة بأنّها تقتلهم كطائفة , ولدينا قرى من طائفة واحدة طالما أمدّت النظام بباصات محمّلة بالمسلّحين في الغزوات التي لا تتقنها الدبّابات … و لدينا الكثير أيضاً من المعارضين المنتمين بحكم عائلاتهم إلى هذه المناطق المعرّفة طائفيّاً و هم مخلصون لقيمهم و أخلاقهم و للشهداء و يجسّدون مثالاً و قدوةً في التفاني لأجل قناعاتهم وهم كثيرون , و لدينا الكثير أيضاً من الأكثريّة صامتون و ممالئون و داعمون للنظام , و لدينا فنّانة علويّة – و مضطر لتعريفها كذلك – تبكي على مجزرة الحولة على التلفزيونات و شيخ سنّي طالما تابع دروسه الملايين لا يجرؤ على أن ينطق حرفاً خوفاً على مشاريعه و لا شكّ أنّ الأولى تساوي ألفاً من الآخر , ولكن هذا لا يغيّر من طبيعة الثنائيّة القائمة في هذه المجازر و ردود الفعل الكلاميّة و الواقعيّة المرتبطة بها سواء آنيّا أو مستقبلاً
و لا بدّ أن ندرك أنّ التاريخ إن جرى بقوانينه فهو لن يلتفت للمتأخّرين و لا للخائفين من عبء الحقيقة , و سيجرف الجميع , و علينا ألّا نتردّد في تكرار بديهيّة أنّ من ينبغي التوجّه له باللوم و تصحيح المسار على حافة المذبحة هو المتهم بالجرم لا الضحيّة .
و أنّ القرى المتهمة بمسؤوليّتها عن الجرائم عليها أن تدرك أنّها ليست أمام تحدٍّ أخلاقيّ فقط , و إنّما أمام تحدّي وجود , إن لم تتخذ قراراً تاريخيّا بالانفكاك عمّن ورّطها في منظومة الحقد و القمع , و تقرّر تسليم المسؤولين عن المجازر لمن كانوا يوماً إخوانهم قبل أن يصبحوا مواضيع للسيوف و القنابل المدافعة عن وهم البقاء … و دون الشعور بأبسط بدهيّات العدالة من قبل المفجوعين بأبنائهم و هم ملايين , فلا ينبغي أن نسأل في وقت لاحق لماذا اجتاحت البلاد موجة الفوضى و الانتقام .. !
العدالة التي لا تنظر لوجه أو لون أو مذهب من تدينه هي وحدها ما أؤمن بها و هي وحدها ما يمثّلني … و لكن عند الحديث عن الواقع ليس علينا أن نتخيّل أنّ كلّ الناس قوالب لتأمّلاتنا

***

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s