خوف خسارة التصنيف

ليس كلّ الخوف من السلاح أو العنف المحتمل , ثمّة خوفٌ كثير بيننا يخلق جوّاً من النفاق المنتشر , يمكن أن نسمّيه خوف خسارة التصنيف , الشابّ الذي يدخل ضمن جماعة متديّنة مثلاً يحرص على مظهره و ما يلبسه كي ينال الاعتراف أنّه عضو من هذه الجماعة و قد يتنازل عن كثير من آرائه و خياراته و معارفه لا لأنّه لم يعد مقتنعاً بهم و إنّما كي لا يؤثّر ذلك على تصنيفه الجديد , هذا ينطبق على مجموعات من المتصوّفة و السلفيّة و قد ينطبق أيضاً على تجمّعات علمانيّة أيضاً , حيث يصبح عدم الحجاب مثلاً شرطاً -غير مكتوب ولكنّه مفهوم- للقبول فيها , و كذلك تكرار مجموعة من الكلمات و المواضيع التي تظهر بين “الجماعة” و لا تكون بالضرورة جزءاً أصيلاً من تعريفها لنفسها
هذا “المتفق عليه المسكوت عنه” هو ما يرسم الجزء الأكبر من روح أيّ جماعة .
نلحظ مثلاً , أنّ الكثيرين يرون من الضروريّ أن يدخلوا في معركة عنيفة لأجل الدفاع عن الرسول -عليه السلام- أو للهجوم على أحدهم ممن انتقد الحجاب , حتى لا يُشكّك في انتمائهم للجماعة
و نجد أيضاً , أنّ الكثيرين يسارعون معاً لإعلان التبرّؤ من مظهر دينيّ ما , ويكرّرون كلمات مثل الدولة المدنية و الشعب السوري واحد , حتى لا يخسروا تصنيفهم مع الجماعة التنويريّة .
و تجد الكثيرين -خاصّة من البعيدين عن الحدث- يسارعون لتخوين و شتم أيّ أحد ينتقد أحد المعارضة أو الجيش الحرّ أو لافتةً ضمن ألف لافتة في مظاهرةٍ ما , حتى يعزّزوا موقعهم كثائرين .

هذا “الخوف من خسارة التصنيف” لا تجده فيما يُقال , وإنّما تجده أكثر فيما لا يُقال , و هذا هو الأخطر و ما دفعني لكتابة هذا
حيث نجد كثيرين أضحوا يخافون من انتقاد ظاهرةٍ ما , قد تتعلّق بالثورة أو بقضية سياسية أو فكرية حتى لا يخسروا موقعهم ضمن الجماعة التي يحبّون الانتماء إليها فقط , لا لخوف من عنف لفظي أو جسدي
نجد هذا لدى سكوت الجزء الأكبر من العلمانيين العرب مثلاً على مظاهر خلع الحجاب بالقوّة في سوريا و تونس , حيث قد يُشتبه فيمن يدافع عن “حرية اللباس” في هذه الحالة أنّه يدافع في الحقيقة عن الجماعة الخصم و لا يرفض تخلّفها …. و هذا ليس من المنصوص عليه و إنّما هو شعور نفسي كامن .
كذلك , وجدناه لدى 11سبتمبر , حيث ما بين طرفي الفرح الأقصى و الرفض الأقصى , ضاع حيناً ما في الفعل من جريمة فظيعةٍ لا يمكن قبولها , و ضاع أحياناً أخرى ما أدّى إلى هذا الفعل و ما لحقه من جرائم أفظع بما لا يُقاس من الطرف المقابل
في كلا حالتي الخطاب المتحمّس و المنفعل لم يكن المحدّد لدرجة الحماس هو الرأي الظاهر و إنّما الخوف الباطن من خسارة التصنيف بشبهة التعاطف مع الآخر العدوّ .
هذا بدأ يظهر بقوّة مع الثورة في الفترة الأخيرة … و ربما لا حاجة لذكر أمثلة على ذلك فهي كثيرة و حاضرة دوماً , مع أيّ قضية خلافيّة ,
ما بين الإيمان برأي و الانتماء إلى قبيلة , فرق , حين نُزيله …. سنفقد أيضاً “تصنيفنا” كأصحاب رأي إلى مشجّعي ألتراس.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s