قطعة قماش مكتوب عليها الله أكبر

هناك تشابه بين التديّن السلفي (في صورته القصوى) و الفلسفة المادية , من خلال نفي التدين السلفي للمجاز و تركيزه على الظاهر كوسيلة الفهم و مصدر الحقيقة و الشرعية , فالإنسان الذي لا يستطيع التعامل مع المجاز هو محصور في الإطار الحرفي المباشر ليس للكلمات و إنّما لتطبيقاتها في الحياة أيضاً , أي أنّه محبوس في الإطار المادي السطحي دون السماح لنفسه بتجاوزه , هذا التجاوز الذي يعتبر بيجوفيتش (و المسيري بعده و أكّد على ذلك د.طه عبدالرحمن) أنّه هو ما يكفل تمايز الإنسان عن الطبيعة و يحقّق له إنسانيته , يرتبط بهذا أنّ البحث عن معنى للكثير من الآيات التي لا يمكن تفسيرها ظاهريّاً يصبح مرتبطاً بالكفر , و أنّ التركيز على الأشكال و الشعائر يتخذ مداه الأقصى , مع التقليل من أهمية المقاصد أو العلل , كما يرتبط بذلك القدرة السهلة على احتكار الحقيقة و اتخاذ الأحكام القطعية , حيث مع وضوح الأشياء و مباشرتها و انعدام المسافة بين الدال و المدلول لا مجال للاختلاف أو الظنّ , و ينتج عن ذلك اتخاذ الدعوة أكثر شكل حسابات مادية فالمقصود من قراءة “بسم الله الرحمن الرحيم” هو بالدرجة الأولى أنّها تعطي 400 حسنة مثلاً أو أنّ من يقول كذل له كذا بيتاً في الجنّة , و من يفعل كذا و كذا من الشعائر وجبت له الجنّة , و محاولة تشكيل الحياة بناء على هذه المظاهر (محاولة الفصل التام بين الذكور و الإناث نموذجاً ) , و يؤدّي هذا إلى سهولة التكيّف مع منتجات الحياة المادية بشكل أسرع , ما دامت ليست سوى منتجات مادية لا فلسفة و لا معنى كامن وراءها , و تشبه كامل الدورة التي يدور ضمنها المؤمن .
المفارقة هنا أنّ الأكثر سلفية كان الأكثر حداثةً , فالحداثة في شكلها الأقصى ليست سوى تحكيم العقل المجرّد -الذي يتعامل مع المعطيات المباشرة- بالوجود و اعتباره المرجعية الوحيدة, و نفي مسافة المجاز و الروح , و محاولة ترشيد الحياة إلى الأكثر مباشرةً و ظاهريّةً بدءاً من الكلمات و ليس انتهاءً بالتقسيم الوظيفي لكلّ ما فيها و محاولة تشكيلها بناءً على ذلك .

و محلّ الاستشهاد هو ما قاله الشيخ عدنان العرعور أمس , حيث تصبح المسمّيات هي المهمّة و ليس معانيها و لا مآلاتها , فالمهمّ في قيام دولة الخلافة هو أن تسمّى دولة الخلافة و أن ننادي بشعار دولة الخلافة , و يصبح السؤال عن مقاصد الإسلام أو طبيعة الحلّ الأفضل و ما يجب أن نفعله أو نفكّر فيه زائداً عن الحاجة , فالمعركة هي أن ننادي بدولة الخلافة .
و يصبح قيام الثورة على كلمة “الله أكبر” و معناها الذي هزّ و شقّ سماء الظلم و استشهاد المئات و الآلاف لأنّهم هتفوا و آمنوا بذلك و رفضوا وجود مدّعي ألوهية يستعبدهم ليس مهمّاً أبداً بقدر ما هو وجود قطعة قماش مكتوب عليها : الله أكبر , يجب أن ينتقل المعنى إلى ظاهر مادي محسوس حتى يكون موجوداً , تصبح هنا المعركة و من لا يرى جدوى من الكتابة على قطعة القماش هو زنديق وعدوّ للإسلام و يجب قتله .

و الله أعلم

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s