حكاية بنايات في درعا البلد

كانت بنايات السكن الشبابي في درعا البلد أعلى ما في المدينة , أحد عشر طابقاً مشرفةً على مجمل الأحياء , في شذوذ معماريّ و تخطيطيّ عن واقع مدينة ذات نسيج اجتماعيّ صلب , و تُعتبر الدور فيها المعروفة بأسماء أصحابها و عوائلهم جزءاً من هويّة المكان و ساكنيه و ذاكرتهم الجمعيّة .

حاولت الدولة انتهاك خصوصيّة هذا المجتمع , ببناء عمارات عالية تشرف عليه , في سعي لتفكيك صلابة النسيج الاجتماعي و تفكيكه , حتى لا يكون حاجزاً في طريق تحكّمها , كما حاولت اغتيال الذاكرة الجمعيّة لأهل المدينة بهذا المشروع , عبر إدخال عمارة الشقق العالية و فرضها كنمط تحديثي معماري , في مقابل الدور السكنيّة محدودة الارتفاع و المعروفة تبعاً لصاحبها و عائلته , و الممتزجة بالآثار و الحجارة السود .

مع الثورة , استُخدمت هذه البنايات التي لم تكتمل بعد , كحاجز للجيش , و يستقرّ فيها القنّاصة , و يشرفون على طرقات محوريّة في المدينة , و خلال سنتين قتلوا الكثيرين من الأهالي , مع صعوبة الوصول إلى الحاجز بسبب موقع القنص الأهمّ و الأعلى الذي يمتلكه .

قبل حوالي الأسبوعين بدأت معركة الهجوم على حاجز البنايات , و اشتركت فيها جبهة النصرة و حركة المثنى و أحرار الشام و ألوية الجيش الحرّ في درعا البلد , و استهلكت الكثير من الذخيرة , حتى استطاع الثوّار الوصول إلى البنايات بسيّارة مفخّخة , و تمّ تحريره و السيطرة على الطريق الاستراتيجي الذي تشرف عليه , و كان تقدّماً مهمّاً في معارك درعا البلد .

بعد السيطرة على البنايات , لم يقبل الثوّار بقاءَها , حتى و قد قتلوا من فيها من القنّاصة , تمّ تفجيرها من الأساسات و أضحت طوابقها الأحد عشر ركاماً لا يأسى عليه أحد .

يمكنني القول إنّ خبر هدم البنايات لا يقلّ أهميّة ولا جلباً للسعادة عن خبر التحرير :

في العمارة كما في الحرب , حتى تبني حقّاً , عليك أن تهدم

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s