بين الأشكال التاريخية والأحكام الشرعية

ليس هناك “شكل” شرعيّ صلب للحكم , و إنّما هناك “مبادئ” و “مقاصد” و “أحكام” على منظومة الحكم السعيُ لتحقيقها , فأن يكون على السياسة موافقة الشرع ليس معناه أن تكون ما نصّ عليه الشرع و إنّما معناه ألّا تختلف معه , كما قال ابن عقيل الحنبلي في مناظرته المشهورة .

و ليس علينا تخيّل أنّ هناك نظاماً إسلاميّاً كاملاً إمّا يتحقّق به الإسلام كلّه , أو لا يكون إسلاميّاً , الدولة تمظهر للمجتمع كما أنّ المجتمع تمظهر للفرد , و من يتخيّل أنّ الإسلام يريد من الإنسان أن يحقّق الخيريّة الكاملة وحدها في حياته , فهو لا يفهم الإنسان وبالضرورة لا يفهم الإسلام نفسه , و الأمر ذاته ينطبق على الدولة , الدولة الإسلاميّة هي دولة المجتمع الإسلامي التي تتخذ الإسلام مرجعيّة عليا بحكم تطوّرها الطبيعيّ عن المجتمع و تسعى لتحقيق غاياته و الحاكم فيها نائب عن المسلمين , و ليست كما تتخيّلها الشعارات الحالمة الاختزاليّة دولة القرآن و الحاكم فيها نائبٌ عن الله , لأنّ ذلك غير ممكنٍ أصلاً و متناقض مع منطق الدولة و مع منطق الدين , ولا يمكن تطبيقه إلّا عبر الصدام مع الدين نفسه و مع الناس أنفسهم عبر فرض سلطة قمعيّة قهريّة تمثّل أقليّة ضدّ المجتمع , كما حصل في أكثر من تجربة للجماعات الجهاديّة .

و حتى الفقه الذي يمثّل المنظومة الشرعيّة النظريّة البرّانيّة التي يُفترض بها الثبات و اللصوق الأقرب للنصّ لم يكن منفصلاً عن التأثّر بالمجتمع و الاحتكام إلى ظروفه و هذا من أساسيّات الفقه أصلاً , فكيف يُتخيّل ذلك مع الدولة , الأداة العمليّة الأكثر تعقيداً التي تتداخل بها كلّ مؤثّرات الاجتماع الإنساني من الفرد إلى المجتمع إلى العالم .

التديّن , كما الحياة , كما الحكم , ليس تحقّقاً , و إنّما هو سعي

و الجهاد الذي ثبتت به الدولة الإسلامية الأولى كالاجتهاد – المأخوذ منه – الذي استمرّ به المجتمع معناه بذل الجهد في الوصول إلى الحقّ , و ليس تحقيقه كاملاً من مستوى قناعات الأفراد إلى هويّات المجتمعات بأداة واحدة هي عنف الدولة , كما هو تخيّل الجماعات الجهاديّة و مناصريها , الذين ينطلقون من نوايا صادقة و من تضحيات صادقة , ولكن ينتهون إلى خيالات لا تختلف عن تخيّل المدن الفاضلة و اليوتوبيات في تاريخ الفكر , التي هي في العمق دول شموليّة حلوليّة .

إهمال المجتمع و إهمال فهم الدولة و إهمال استيعاب إشكاليّاتنا و معضلاتنا الحقيقيّة , في سيرورة اختزاليّة نفسيّة يمرّ بها أغلبهم , و الهروب من واجب التفكير فيها و معالجتها كما يُفترض على المسؤولين عن إعمار الأرض و تحقيق العدالة و الخيريّة فيها , إضافةً لتراكم تاريخ من القهر و الهزيمة , هو ما يجعل للدعوات الحالمة بالخلافة أرضيّة للانتشار و كأنّ الشعار الأقصى هو الحلّ لأزمات متراكبة متراكمة معقّدة نعايشها و نعانيها , فكريّاً و سياسيّاً و عسكريّاً … الخ , في النهاية سيبقى الشعار حالماً و مخدّراً , و سينتهي المنشغلون به إلى مشاريع انتحاريّة منفصلة عن المجتمع و الزمن … بدلاً من أن تكون مشاريع بناء و إعمار و استخلاف حقيقي , لأنّهم أهملوا الشرط الأوّل للبناء و تحقيق أحكام الدين و مقاصده : النظر .

الخلافة شكل تاريخي للحكم , وليست شكلاً شرعيّاً , و هي هروب شعاراتيّ حالم نحو ما يريح الوجدان , يتخلّى به الحالم عن مسؤوليّته التي ولّاه الله إيّاها في إعمار الأرض , متمثّلةً بالفهم و العمل , فهم الواقع و إشكاليّاته كما هو و العمل لحلّها كما ينبغي , أي أنّ المطالبة بالخلافة السياسيّة في هذا الوقت تمثّل -من حيث يدري المطالب أو من حيث لا يدري- تخلّيّاً عن مهمّة الاستخلاف الإلهيّ للإنسان , و تعطيل للفعل الإسلامي من خلال حصره بنسق تاريخي مفارق للزمان و المكان و الإنسان و لا يمثّل حلّاً لمشاكل قائمة , و إنّما إلهاءً للنفس بالأماني الحالمة .

أمّا جبهة النصرة , فتمثّل خطّاً فكريّاً له مريدوه وله أسبابه المختلفة في كلّ ظرف لينمو أو ليضمر , كان و ما زال و سيبقى موجوداً , الهرب من الإقرار بذلك للقول إنّها صنيعة مخابراتيّة فيه فيه تعطيل للعقل, و قد كانت سنداً للجيش الحرّ في كثير من المعارك , لا ينكر ذلك منصف , لكن هذا لا يلغي واقع الاختلاف معها , و رفض تصوّراتها عن الدولة القادمة , من منطلق شرعيّ قبل أن يكون واقعيّاً و محليّاً – و إن كانت هذه العناصر لا تفترق في الحقيقة – , ومن يتصوّرون أنّ الخطاب كلّما كان أكثر حدّة و غلوّاً و قطيعةً مع السائد كان اكثر إسلاماً محتاجون لإعادة فهم الإسلام .

طبعاً يجب القول إنّ جبهة النصرة ضعفت كثيراً بعد الخلاف مع البغدادي و انضمام أكثر أتباع التيّار السلفي الجهادي إلى دولة العراق و الشام الإسلاميّة , التي نختلف معها و مع اطروحاتها و سلوكيّاتها أكثر من جبهة النصرة .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s