أسطورة ذمّ الحفظ

منذ خمسين عاماً نعيش في فائض من المسلّمات السهلة التي لم تُبرهن و لم تُختبر و أثبتت عكس وعودها , من أهمّها في التربية أسطورة ذمّ الحفظ باعتباره نقيضاً للفهم , ملكة الحفظ إن لم تشجع و تستغلّ من الصغر فستضمر و كما أنّ تشجيعها تدخّل من الأهل في الولد فإهمالها تدخّل أيضاً , المبالغة في أن للابن قراره و لا يجب إجباره هي أسطورة أيضاً و أسطورة مضحكة , نحن لا نتكلّم عن شباب و إنّما عن عمر غضّ قابل للتأثير و كلّ تربية هي تأثير و توجيه مهما كانت طبيعتها و انحيازاتها , و أن يكون لديك حافظة و مخزون علميّ من البراهين و أدبي من النصوص في ذاكرتك فهذا مطلوب في حدّ ذاته , ألّا يحصل بعده فهم أو إبداع تلك مشكلة أخرى لا علاقة لها بأهمية الحفظ في ذاته , يعتمد الفهم و الإبداع إيجابيّاً على حصول الحفظ , و قد يكون الإبداع بعد ذلك أو لا يكون , تلك مشكلة في تعليم الفهم و تنميته في حيّز مستقلّ عن حيّز الحفظ , و كما أنّ هناك طرقاً تتفاوت في النجاح أو الفشل في تنمية الفهم فالأمر كذلك بالنسبة للحفظ , لا يعني وجود طريقة محبطة في تنمية المعرفة بالرياضيات مثلاً -وهي أكثر مادة ينفر منها الأطفال بالمناسبة- ألّا يتعلّم الرياضيّات , و الأمر نفسه بالنسبة للحفظ , نحن نجني على أطفالنا حين نحرمهم من أن يكون لهم ذاكرة .

أحد الأساطير الأخرى كذلك – و منبعها كالأولى ولع المغلوب بالتقليد السطحيّ و اللاواعي للغالب- هي المبالغة في قيمة اللغة الأجنبية للطفل, على حساب اللغة الأمّ التي لا يستطيع واحد من كلّ ألف شابّ أن يكتب خمسة أسطر بها دون خطأ شنيع , ولا أعرف أمّة تعلّم أطفالها حروف و قواعد لغةٍ أخرى في ذات السنّ الذي يتعرّفون فيه إلى لغتهم غيرنا .
و إتقان اللغة الانجليزية لا يحتاج أكثر من سنتين من التعلّم الواعي في مرحلة لاحقة ,دون أن تزاحم اللغة الأمّ للطفل الذي لم يتعلّم نطق الحروف بعد, و نشعره بثنائيّة الهويّة و صراع الثنائيّات الموهومة بين الأصالة و الحداثة و مستتبعاتها باعتباره بين العربية و الانكليزية , نحن لا نجني على الذاكرة و العقل وحده و إنّما على وعي الطفل بذاته الذي ندخله في وهمنا المهزوم قبل أن يرى من الدنيا إلّا منهاج الدراسة .

و من البؤس و الدلالة على الزمن الرديء حقّاً ألّا يقول أحد إنّ تعليم اللغة الأجنبية لطفل عمره ست سنين -و أقلّ- ليس عملاً علميّاً أبداً و إنّما هو تكريس لتحيّز ثقافي و حضاري لا أكثر , و بالنسبة لي هو ليس أقلّ من جريمة , جريمة حقيقية.

كما قلت , نحن أجيال لا تستطيع أن تتكلم ساعتين حين تنقطع الكهرباء , أجيال ذاكرتها معلّقة برقاقة من أشباه الموصلات , أجيال تفقد قدرتها على السرد و التذكّر و الحكي و ينحصر زمنها باوراق الروزنامة , الذاكرة التي قهرت الزمن طويلاً و كان لها قدرة تكثيف العمر أصبحت رهينة الغوغل , الغوغل الذي لن ينجدك بقصيدة واحدة حين ترتدّ كما كنتَ وحيداً عارياً من التقنية .

***

أفكّر بأنّه لو رزقني الله ابناً , فسأستدرك فيه ما حُرمت منه , لا يتمّ خمس عشرة عاماً إلّا وهو يحفظ القرآن و ألفية ابن مالك و الأجرومية و المعلقات العشر و مئة قصيدة مطوّلة أخرى على الأقلّ , و قد قرأ أقلّه مائة مجلد في التفسير و اللغة و التاريخ و الفيزياء , يبدأ ذلك منذ يتعلّم من هم في سنّه الأبجدية .

موضة ذمّ الحفظ أخرجت لنا أجيالاً تائهةً فاقدة للذاكرة و تمشي على أرض رخوة ,مستندين في التربية إلى أسطورة أنّ الحفظ نقيض الفهم , من المستحيل لأيّ إبداع حتى في أكثر العلوم حداثةً أن يتمّ مع ذاكرة محدودة الأفق و العمق , أجيال لا تستطيع أن تتكلم ساعة واحدة في العتمة حين تنقطع الكهرباء .

نتيجة الديباجات الاستهلاكية السهلة منذ نصف قرن لمن فهموا من الغرب عدة شعارات سطحيّة لا تنتمي حتى للغرب العلميّ نفسه , فقدنا الذاكرة و لم نكسب العقل .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s