في الاختلاف الإسلامي-الإسلامي

قبل أيّ نقاش بيننا كإسلاميين يجب الإقرار و الانطلاق من بديهية أنّه ليس هناك منهج إسلاميّ واحد و إنّما هناك مناهج إسلاميّة و جماعات إسلاميّة منذ كان الصحابة و حتى اليوم , و لكلّ منها أن تقول إنّها تمثّل الحقّ و أن تسعى لنشر مذهبها بالحسنى دون أن تضنّ بذلك على الآخرين .

حصل في أصفهان في القرن الخامس أن كانت هناك مجازر بين الحنفيّة و الشافعيّة , و في بغداد أن كانت هناك اشتباكات بين الحنابلة و الشافعيّة , و بين الحنابلة و الأشاعرة , و أنّ إمام مسجد قُتل لأنّه لم يقبل بإخفاء البسملة من تلاوته للفاتحة , إضافةً للفتوى المعروفة بتحريم الزواج من مذاهب فقهية مختلفة , تاريخ النزاعات الطائفيّة و المذهبيّة العنيف ليس منحصراً على ما بين السنّة و الشيعة , و إنّما امتدّ إلى داخل المذاهب السنيّة نفسها , و ليس السبب آراء هذه المذاهب و اجتهاداتها بقدر ما هي ظروف سياسيّة و اجتماعيّة إضافةً لجهل الناطقين باسمها ما جعل من التعصّب لهذه المذاهب بعداً عنفيّاً و قهريّاً و وسيلة للتسلّط .

و إن كنّا تخلّصنا من التعصّب لهذه المذاهب , بحكم أنّها لم تعد تشكّل التصنيف الفاعل و الرئيسيّ في الفضاء الإسلامي اليوم , فإنّ هناك مذاهب و جماعات – تدخل في تكوينها المذاهب لا شكّ – تشكّل الانتماءات الإسلامية التي ينطلق منها الاختلاف التصنيفي بين الإسلاميين اليوم , و الذي كثيراً ما يفضي إلى التعصّب و حتى العنف بينهم .

و كما أنّه كان من الخطأ قديماً السعي إلى التقريب بين المذاهب بتذويب الاختلافات بينها في مسائلها الفقهيّة أو الكلاميّة الاجتهادية التي تميّزها و التي يُظنّ -خطأ- أنّ مجرّد وجودها هو الباعث على التعصّب و العنف , فإنّ المحاولة الحديثة لذلك ستحظى بالفشل نفسه , إن حاولنا القول إنّه لا بدّ من الاجتماع على منهج إسلامي واحد و على تصور إسلامي واحد و على جماعة إسلامية واحدة , ثمّة اختلاف ضروريّ و مفيد و لا بدّ أن يبقى , دون نفي أنّ هناك اختلافات باعثة حقّاً على التعصّب و ضيق الأفق و الجمود يجب أن تُناقش و تُلغى , و لكن الضامن الحقيقي لئلّا يتحوّل هذا الاختلاف إلى خنجر ذاتيّ في قلب المشروع الإسلامي , و إلى مساحة لا لتبادل الأفكار و إنّما لتبادل التكفير و الرصاص , هو أن يكون هناك إقرار من الجميع بوجود مساحة رحبة للاختلاف في الظنّي ما دمنا متفقين على القطعيّ , في الفقه أو الاعتقاد و بالأولى في مسائل الدولة و الإدارة , و أنّ حقّنا بالدعوة إلى أفكارنا و اجتهاداتنا يبدأ من حقّ الآخر – الأخ- في ذلك , و أنّ الإسلام سيبقى دوماً موئلاً للجميع و ليس حكراً على أحد , مع حقّ الجميع في القول إنّهم الأقرب لتمثيله و الأكثر جدارةً و توفيقاً في تحقيقه , مع بقاء حيّز للنقد و المساءلة الشرعية و الفكرية و السياسيّة .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s