عن السينما والإسلاميين ولحظة عبد الناصر

مشاهدة فيلمين مثل amour و the sea inside أحدهما بعد الآخر مباشرةً , يواجهك بحمولة نفسيّة ثقيلة , يصعب الخلاص منها بسهولة .

لعلّ السينما أحد أهمّ إنجازات البشريّة الحديثة , هذا الأفق الإبداعي الثريّ و القادر على تكثيف المعنى و الجمال و الزمن و التلميحات الفلسفيّة لدى صنّاع السينما الحقيقيّين الكبار , و إحدى دلالات البؤس الحضاري الذي نعيشه أنّنا ما زلنا -كعرب و مسلمين- فيما قبل عتباته حتى , كما أنّنا لا ننتج -بشكل عامّ- أدباً ولا فلسفة ولا فنّاً ولا سياسة منذ لحظة عبدالناصر التي حصرت فاعليتنا الحضارية في الصوت السياسي العالي , عدا عن أنّ من علامات البؤس العالمي الذي يوجبه الاستهلاك (المأساة\الضرورة) أن تُفهم السينما كإحدى تنويعات سوق المتعة (و كثير من السينما تكتفي بتحقيق هذا الشرط و التصنيف فعلاً) , لا كإحدى مساحات الإبداع الإنساني المجاورة للرواية و الشعر و الموسيقى و الفلسفة .

ومن المهمّ أن نتخلّص في مرحلة التحوّل التاريخي هذه , حتى تكون كذلك فعلاً , من انحصار تفكيرنا بهمّ التسييس , و إحالة كلّ تفكير جاد بالدولة أو المجتمع أو الفكر إلى خطاب تصنيف سياسي سطحي كما انشغلنا بذلك عقوداً , و أن نعمل على أن يكون مرافقاً للتحوّل السياسي و المجتمعي الحاصر تحوّل فكريّ كذلك , و هذا التحوّل الفكري ليس من مهمّات التحول السياسي ولا من لوازمه , بل هو عمل رديف يتفاعل مع هذا الاوقع المتحوّل و سيكون شرطاً لاستكمال اهدافه فيما بعد .

لقد وقع الفعل الإسلاميّ , و التفكير الإسلامي في موضوع التغيير و النهضة و التجديد إلى آخر تنويعات المدلول نفسه , في إشكالية “لحظة عبدالناصر” أيضاً , و إحدى مظاهر هذه اللحظة غير المباشرة أنّنا تصوّرنا أنّ المشروع الإسلامي يقوم على المجاهد و الفقيه وحدهما , و اختزلنا أيّ تفكير في الإسلام و أيّ تصرّف للمسلم إليهما , و هذا مرافق لاختزال هذا المشروع الإسلامي نفسه إلى شعار “تطبيق الشريعة” الذي لا يُقصد به سوى الحدود الشرعيّة المعدودة و المباشرة لا كلّ فقه العقوبات حتى , و هذا لم يكن ليتمّ دون تصوير الإنسان بمجرّد كونه مسلماً منعزلاً عن العالم و سيرورته و زمنه و غريباً بالضرورة , ما أدّى إلى أن نرى أيّ فعل إبداعيّ خارج منظومة الفقه و الجهاد – مثل السينما- ليس غير ضروريّ و مطلوب إسلاميّاً فقط , بل هو مرفوض أيضاً , ولا يتعايش مع المشروع الإسلامي , و تؤول محاولات تبيئته و أسلمته إلى الفشل الذريع كما حصل مع “الأدب الإسلامي” و كما نرى مع “النشيد الحديث” الذي لا يختلف من حيث الجوهر عن أغاني السوق , ففي الحالتين التفت إلى سطح الأشياء .

و ربما بدأنا في العالم العربي نتجاوز ذلك شيئاً فشيئاً , على مستوى الفلسفة خاصّة , مع مشاريع كبرى كمشروع طه عبدالرحمن و أبي يعرب المرزوقي , و مع بدء ظهور تيّارات بين الشباب رافضة لاختزال التصانيف و الأحزاب و المؤسسات السابقة و أكثر وعياً بشروط الواقع و التفكير , بحكم مشاركتها في تأسيس و صناعة هذا التحوّل التاريخي , و إن كانت تقع بطبيعة الحال في مشاكل تسرّع و اختزال و تهميش لما هو ضروريّ لدى السابقين أيضاً , و هذه طبيعة أي تجربة تتشكّل قبل أن تصبح مشروعاً ناضجاً و ناجزاً .

ثمّة طريق طويل .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s