عن الجابري

لا شك أن الجابري رحمه الله أعاد الاهتمام إلى التراث والتفكير فيه لدى فضاءات واسعة لم تكن معنية بسؤال التراث وحضوره, عدا عن جرأته في مقاربة التراث خارج السائد المعاد عاملاً على أنسنته وبحثه كتاريخ متفاعل لا كواقع سكوني ناجز, ومساهماً في إعادة السرد الضرورية لأي تراث لاستدخاله ضمن إشكالات و قوالب تأويلية اوسع, إعادة السرد هذه التي تمارسها كل ثقافة بينما ما زلنا مقصرين فيها, محاولاً استعمال التراث في الإجابة عن أسئلة الراهن, عدا طبعاً عن التعريف بأدوات معرفية حديثة و استنطاقها في مقاربة سؤال الهوية والتراث , وأثار في ذلك الكثير من الأسئلة والإشكاليات التي استفزت الكثيرين للبحث والرد عليه, وساعده في ذلك قلمه الأنيق الرشيق و بعده -نسبياً- عن الشعاراتية العلمانية السطحية, وعدم افتراض معاداة أصلية مع الدين بما هو دين, لا يمكن مطابقته مثلاً مع صادق جلال العظم أو عزيز العظمة أو أدونيس, دون أن يكون مقابلاً لهم تماما.

يُحسب له هذه المحاولة والشغف والهم الحقيقي الذي كان يحمله في مشروعه, كما يحسب له استقطاب قطاعات واسعة من الشباب والمثقفين للاهتمام بالتراث وإعادة التفكير فيه.

ولكنْ, إن انتقلنا إلى ما عليه وهو في قلب وذات ما له:

فإن مقاربة الجابري رحمه الله للتراث اعتمدت على استيعاب هذا التراث وإشكالياته ضمن صراعات ثنائيّة (العقلانية\الخرافية, ابن رشد\الغزالي, الفقهاء\الفلاسفة, المشرق\المغرب) كثيراً تتأسس على تقسيمات ثلاثية لتفسير المجتمع والمعرفة (العرفان والبيان والبرهان\القبيلة والغنيمة والعقيدة), وهذه الثنائيات والثلاثيات في أغلبها لم تُستنبط من داخل التراث بقدر ما ألصقت به من واقع الصراعات التي يعتقد الجابري أنها صراعات اللحظة الراهنة, وهذه النظرة وإعادة السرد المؤدلجة للتراث لا ينفيها الجابري بل يؤكدها ويعتبرها أساس منهجه باعتبار أن كل قراءة مؤدلجة بالضرورة, يمكن مراجعة مقدمة كتابه “نحن و التراث” مثلاً, أسّس ذلك لصورة موهومة عن هذا التراث نتيجة الاختزال و التأويل المؤدلج الذي مارسه كي يحافظ على منطقيّة هذه الثنائيات .

ثنائية الغزالي وابن رشد أشهر هذه الصراعات التي عمل عليها الجابري واستعملها, بحيث يكون ابن رشد فارس العقلانية و الغزالي رائد الظلامية والخرافة, بحكم أنّ الغزالي نقد الفلسفة والفلسفة هي العقل, بينما ابن رشد دافع عن الفلسفة فدافع بذلك عن العقل ضد الخرافة, رغم أنّ أي عقلانية الآن لو اطلعت على الانطولوجيا الأرسطية وما تطور عنها في الافلاطونية المحدثة ثم في كتابات الفلاسفة المسلمين وقارنها بنقد الغزالي فلن ينتصر بطبيعة الحال للأفلاك العشرة التي تتحكم بالمصائر, أي أن ابن رشد فعلياً هو الذي كان حرفياً تقليدياً في اتباعه لأرسطو مقارنة بالغزالي الذي مارس النقد والتأسيس المعرفي ومحاولة الإبداع الفلسفي, بغض النظر عن نتائج ذلك, عدا عن أن مقاربة ابن رشد لدى الجابري ولدى تلامذته تتناسى واقع أنه كان القاضي الفقيه قبل أن يكون الفيلسوف الشارح, بالإضافة للثنائية الأخرى التي تستبطنها ثنائية الغزالي و ابن رشد وهي المشرق و المغرب, فلم يكن الغزالي رائد الخرافة لأنه الصوفي العرفاني و ابن المشرق فقط بل هو حتى في نقده للفسفة كان قد اختار الفلسفة المشرقيّة الإشراقية , فلسفة الفارابي و تلميذه ابن سينا وهما بدورهما كانا رائدي تحريف العقلانية ,ولم يجعله نقد الفلاسفة المشرقيين عقلانيا بل الناقد والمنقود خرافيان بحكم مشرقيتهما, التعصب الذي ينفيه الجابري دوماً.

هذا الإصرار على عقلانيّة المغرب , و انتصار المفكّرين -الذين يريد الجابري استعادتهم كمنطلقات للنهضة مقابلة لظلاميّة الفقهاء- للعقلانية , يصل إلى مناطق محرجة مع ابن خلدون , حيث يظهر ضعف و لا منطقيّة تبرير الجابري لتأكيد ابن خلدون على أن السحر أحد وسائل المعرفة و بلوع الحقيقة , بحيث يصبح حتى هذا التأكيد -الخرافي بمعايير الجابري نفسه- أحد وسائل الانتصار للعقلانية مقابل ظلامية المتصوفة و الفقهاء .

و لعلّ من أهمّ إنجازات الجابري اقتحامه لسؤال “تبيئة المصطلح” و الذي مارسه بشكل مفصّل و تطبيقي و ممتاز في كتابه “المثقفون في الحضارة العربية” , لكنّه حتى هنا لم يتحرّرر من انحيازاته و هيمنة الثنائيات عليه , فمن المعروف أنّه تكلم هنا عن محنة ابن حنبل و محنة ابن رشد , ولم يفتْه أن يبرّئ الاعتزال من تهمة استخدام السلطة لفرض المعتقد مظهراً أن المحنة إنّما كانت لأغراض سياسية بحتة بامتياز , لها علاقة بجماعات الرفض السياسي التي تتشكل في المجتمع العباسي , بينما هو نفسه من قال في “نحن و التراث” إم هذه المحنة كانت ثورة ثقافية مهمّة !

هذا يقود إلى استعمال المفاهيم الحديثة و استدخالها في مقاربة التراث , و لعلّ أشهر هذه المفاهيم بالنسبة للجابري كان البنيويّة و القطيعة المعرفية , عن سؤال مدى وفاء الجابري بمتطلبات استخدام البنيوية و القطيعة المعرفية و مدى وفائهما أو قدرتهما التفسيريّة في قراءة التراث , خاصة بالنسبة للقطيعة التي وضعها باشلار في حقل العلوم الطبيعية , فاستعملها الجابري في حقل العلوم الإنسانية .

و دون الإغراق في التفصيل , فالخلاصة أن الجابري كان مثقّفاً مخلصاً لمشروعه و متفانياً في البحث و الدراسة , متحرّراً من التبعية لسلطة سياسية أو ماليّة , و يحمل همّاً واضحاً تجاه أمّته , و أسهم في إثراء المكتبة العربية و توجيه اهتمام الكثير من الشباب و المثقفين نحو التراث و سؤال الهوية و المعرفة و النهضة , و يصعب أن تمر من كتبه دون أن تشعر بذلك و بقلمه الأنيق الممتع , لكن هذه المقاربة بتحيّزها و تأدلجها فقدت شروط الموضوعية البحثيّة و قدّمة صورة موهومة مختزلة عن التراث لدى من اكتفى بها أو انطلق منها , و أنّ فائدة مقاربة الجابري للتراث أراها في استفزازها الفضاء الثقافي العربي للردّ عليها و توضيح اختزاليّتها و تشوّهها نتيجة الأدلجة الفجّة .

رحمه الله و غفر له .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s