عن الثلج والدولة

ثلج عمّان يتجاوز اللغة, السيّارات و الشوارع و الأرصفة كلّها مغيّبة تحت الأبيض الذي يملأ الأفق ولا فروق إلّا ذكرياتك عن شكل الطريق , و سماكة الثلج في الأماكن التي لم تطأها الأقدام قد تتجاوز المتر.

حين تعلن الطبيعة عن نفسها و تترك حالها العاديّ , يعود الإنسان و منجزاته إلى الخانة الأولى , في قلب العاصفة لست سوى موضوع خفيف تحاول النجاة و الفرار إلى ملجأ يحميك منها , تعود العمارة إلى وظيفتها الأولى , حين بدأت من الكهف كحاجز عن غضب الطبيعة و عري الإنسان مقابلها.

في أوقاتٍ كهذه, يبحث الإنسان عن وسيط يضعه بينه و بين الطبيعة , و يحمّله سبب انقطاع خيط حياته العاديّ و حرمانه من كماليّاته التي أضحت ضرورات, في المجتمعات التقليدية تتوجّه الدعوات بشكل واضح ومباشر نحو الله, امّا في مجتمعاتنا الحديثة فتتحمّل الدولة مسؤوليّة التدبير , هذا الحلول تتفاوت نسبته بين مجتمع وآخر , إلّا أنّه أحد مهمّات الدولة الحديثة أن تتحمّل ما كان في المجتمعات القديمة ممّا يُنتظر من الله وحده, وهذا طبيعي ومتكرّر في التاريخ أن يبحث الإنسان عن مطلق ما يحمّله مهمة إتمام النقص الذي يجابهه في الحياة , ويضع عليه مسؤولية ضعفه الخاصّ.

لكن ما يحصل ليس توثيناً للدولة بحيث تأخذ من مساحة الغيب وحده , و إنّما من مساحة المجتمع نفسه, بحيث يتحوّل المجتمع نفسه إلى مجرد موضوع للسلطة ينتظر تدخّلها الدائم , هذا يظهر أكثر في خطاب الفئات المعارضة لتدخّل الدولة نفسها, والتي تجد غضب الطبيعة فرصةً لإظهار غضبها على الحكومة, غافلةً عن أنّها في هذا تخالف إدانتها لتغوّل الدولة في المجتمع و ادعائها مسؤوليتها عنه, و تخالف منطقها في أن المجتمع مستقلّ عن الدولة وقادر على إعادة إنتاج نفسه دونها, وما يظهر كموقف شجاع هنا يخفي أحياناً هروباً جباناً من واقع المشكلة الحقيقية , بحيث تصبج جريمة قتل فتاة و تشويه وجهها مجرد فرصة لإدانة الحكومة في تعديل التوقيت الشتوي بدل البحث في أن هناك جريمة بشعة حصلت حقّاً و لها خلفية اجتماعية واقتصادية و أمنية مختلفة , و يصبح انتحار كهل ستيني بسبب الفقر فرصةً لإدانة الحكومة كذلك بدل أن يُلتفت إلى كون الرجل ابن عشيرة , وأن تفكّكاً خطيراً و كارثيّاً في المجتمع لا في الدولة أن يموت ابن عشيرة جوعاً.

هذا يحضر في أزمة الثلج أيضاً ,حيث تستغلّ للتذكير بعجز الدولة و قصورها , بدل أن تكون فرصة لاختبار مدى فاعلية المجتمع و تضامنه وتراحمه, بمعزل إن كان ثمة دولة أم لا.

هذا لا يعني أن الحكومات لا تقع في الفساد و العجز و الاعتداء , و إنّما ألّا ننسى لأجل غرض سياسي ما نراهن عليه في معارضة الحكومات , وهو المجتمع , و الذي يبتدئ الإصلاح و ينتهي منه , و أنّ إدانة تغول الدولة الأمني , يجب أن يكون بإيمان بقدرة المجتمع و مسؤوليّته , حتى نكون متسقين حقّاً , وهذا لا يغيب عن الحالة السورية أيضاً , حيث يتوجّه لوم الجميع إلى الحكومات العربية أو إلى الائتلاف , ناسين دور الأفراد و المجتمع التكافلي و التراحمي السابق على كلّ الوجود السياسي , و الذي قامت عليه الثورة أساساً ولم تكن لتستمرّ دونه.

حين تمنح خصمك مهمّتك أنت أو مهامّ اخرى أوسع من المساحة التي تريد في أوقات الرخاء تحجيمه فيها, فأنت حتى في إدانته إنّما تثبت سرديّته وشرعيّته وتلغي وجودك أنت كخصم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s