ثنائية الشرعي والوضعي الموهومة

كان بعض المشايخ يتجوّزون هدر الحقوق و النصب أحياناً بناءً على أنّ القوانين المانعة من ذلك (قانون الإيجار أو قوانين العقود أو حتى قوانين السير) هي قوانين وضعية ليسوا ملزمين باتباعها.

ما زلنا حتى الآن لم نخرج من الثنائية الموهومة ما بين الشرعي و الوضعي, على مستوى الشعارات أو على مستوى الوعي بطبيعة الشرع و طبيعة القوانين , لا يوجد حكم شرعي ليس فيه جانب وضعي باعتبار الفقه اجتهاداً بشريّاً في أغلبه بناءً على قواعد تواضع عليها الفقهاء ضمن أصول الفقه , والتي لم تبْن بدورها على قطعيّات القرآن و السنة (موضوع تطبيق أصول الفقه) بمعزل عن قواعد اللغة و المنطق و تراكم تطوّر القياس والاستدلال الفقهي و وعي ظروف الواقع (العرف).

و أصول الفقه كعلم بحدّ ذاته اعتراف بتغيّر أحكام الفقه و تعدّد مدارسه , باعتباره قواعد ناظمة لاستنباط الأحكام و تنزيلها في الواقع, ولو أن الفقه كعملية تشريع قانوني قد تمّ يوماً بشكل كامل, لما احتيج إلى قواعد ناظمة و ثابتة لاستنباط أحكامه المتغيرة مع تغير ظروف الواقع.

وثمة سلسلة متصلة من التوهم , أوّلها توهّم أنّ الشريعة غير موجودة في الحياة أو في القوانين “الوضعيّة” القائمة و التي لا تتعارض نسبة كبيرة منها مع الشرع, ثمّ توهّم أن الشريعة هي الفقه كتشريع قانوني, و يليه توهّم أن على الفقه ان يقدّم أحكاماً لكلّ شيء مستمدّة -كأحكام- من الكتاب والسنة ( ما هو سن التقاعد حسب القرآن ؟), ما يؤدي إلى اعتبار أن المواضيع التي لم يذكرها الكتاب و السنة تصبح وضعيّة بالضرورة, هذا حسب الوعي الإسلامي الشعبوي والذي تغذّيه الشعارات السياسية , وليس حسب أصول الفقه التي راعت جانب المصالح المرسلة و المصلحة حسب مبادئ الشرع و قطعيّاته, و أبقت بالتالي مساحةً ضرورية لئلّا يخرج الواقع عن إطار الشرع , و مساحةً ضروريّة أيضاً للفعل الإنساني خارج الإطار القانوني البحت , و يلي هذا توهّم أن الشريعة ليست الفقه وحده بل هي مجرد الشقّ الجنائي منه.

يختزل الإسلاميون الشريعة إلى الفقه , دون وعي بطبيعة الفقه نفسه ولا بطبيعة القانون الذي يعترضون عليه, ولا يكتفون بذلك بل يختزلون الفقه إلى شقّه الجنائي وحتى إلى بعض الأحكام فيه فقط.

هذا لا يؤدّي إلى نفي الواقع وحسب, و اعتباره كافراً كلّه , و توهّم أنّه يجب خلق الواقع بأكمله من جديد, باعتباره واقعاً وضعيّاً و المسلم يتحرّك حسب الإسلام وحده لا حسب الوضعيّ , بل يؤدّي إلى نفي الإسلام نفسه , أعني نفي الجانب الاجتماعي العملي من الإسلام وحضوره في الحياة في مقابل إحياء الجانب الطوباوي النظري النقيّ عن الإسلام المتخيّل و المختصر بالقطعيّات الواضحة و التي لا يعيش الإنسان خارج حدودها.

إن التركيز و التضخيم لشعار تطبيق الشريعة – بما يتضمنة من سلسلة اختزال متصلة- قد يكون أحياناً اقصر السبل و أسرعها إلى تعطيلها حقّاً.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s