ماذا أراد الجولاني؟

في موقع زمان الوصل

كثر الحديث عن مقابلة أمير جبهة النصرة على الجزيرة، المقابلة الأولى تلفزيونيّاً بعد عدة كلمات مسجّلة حسب الطريقة الأمنية التي اتبعها قادة الحركات الجهادية عامة ودولة العراق الإسلامية خاصة.

 ولعلّه كان من المتوقّع أن تناول هذه المقابلة سينحو منحى الثنائية الإيدلوجية المتجاوز للرفض والقبول إلى المدح أو القدح، بحكم الاستقطاب المشحون الذي يفرضه واقع الحرب وطبيعة التواصل في الفضاء العامّ المشجّع على تداول المواقف الأكثر تعميماً ووضوحاً، بينما لم ينشغل الكثيرون بفهم ما أراد الجولاني قوله من خلال هذه المقابلة، سواءٌ برسائلها السياسية، أو بإعادة صياغة صورة الجبهة، أو بترتيب استراتيجيتها في المرحلة القادمة.

مراحل الجبهة إيديولوجيّاً وميدانيّاً

أُعْلنت جبهة النصرة رسميّاً في 24 كانون الثاني 2012م، في وقت لاحق على أوّل عمليّاتها حسب الجولاني الذي يحيل بدء الجبهة إلى شهر آب من العام نفسه، ولم تحاول جبهة النصرة إخفاء السمت السلفي الجهادي (القاعدي) عنها، على مستوى الخطاب والأسلوب الإعلامي أو على مستوى البنية التي كانت البنية المعولمة الوحيدة بين القوى المقاتلة، مع اعتمادها على مجموعات محليّة كنواة أساس في مناطق كريف دمشق ودير الزور (حيث البنية العشائرية فرضت أن تكون مجموعات الجبهة هناك ذات هوية عشائرية أيضاً) ودرعا (حيث شاركت في تأسيس الجبهة قيادات سلفية جهادية أردنية)، تصبح هذه المجموعات منطقة امتزاج مع المهاجرين الذين كانوا حاضرين كقيادات في أوّل الأمر، ثمّ بدأت تظهر قيادات سوريّة مع تطور خبرات المعركة، مع حضور المهاجرين بنسبة أعلى في مناطق الشمال السوري القريبة من الحدود التركية.

 شكّلت هذه الهوية المعولمة المتجاوزة للانتماءات المحلية، وإن كانت تعتمد على البنى المحلية في بعض المناطق، نقطة اجتذاب للباحثين عن هوية أيديولوجية أكثر نقاءً وراديكاليّة وتحقّق مقولة “الأمّة”، ولكنّها شكّلت في الوقت نفسه عقبةً في طريق تحقيق حاضنة شعبيّة واسعة في المناطق الحاملة للثورة باعتبار هذه المناطق ذات بنى محليّة عشائرية صلبة في أغلبها، ما جعل انتشار الجبهة واستقرارها في الريف أصعب منه في المدن، حيث كان مقرّ الجبهة الرئيسي في مدينة حلب، وهذا ما دفع الجبهة إلى اعتماد وسائل الإدارة والخدمة المدنيّة كأساليب لكسب الحاضنة الشعبية، كتوزيع الخبز والغاز، لتجاوز عقبة الانتماء المحلّي، والذي لم يغب عن الصدام مع كتائب عشائرية في دير الزور، أو بعض المناوشات مع كتائب الفاروق. ومن الملاحظ حرص الجولاني على تقديم القيادات السورية على المهاجرين، ما أثّر في رضا فئات من المهاجرين على قيادة الجبهة، ما ظهر أثره بشكلٍ واضح مع إعلان “الدولة الإسلامية في العراق والشام”.

 هذا القلق في بنية الجبهة، رافقه قلق في الايديولوجيا، خاصة مع استخدام الجبهة لفتوى التترّس لتسويغ تفجيرات داخل مناطق المدنيين، ما أعاد في الأوساط الجهادية الجدل ما بين أبي محمد المقدسي وأبي مصعب الزرقاوي، وكان استخدام فتوى التترس سبباً في انشقاق مجموعات محلية عن الجبهة وإثارة غضب مجموعات أخرى تنتمي لمناطق التفجير وفي التأثير على الحاضنة الشعبية، ما أدّى إلى وقف استخدامها بعد أمد قصير لأسباب براغماتية ميدانية أكثر منها لمراجعات ايديولوجية، مع وجود مؤثّر واضح لتنظير أبي مصعب السوري في فكر الجولاني واستراتيجية توسّع الجبهة في الداخل السوري، المنهج الذي لا يبدو على وفاق تامّ مع دولة العراق الإسلامية.

 شاركت الجبهة خلال عام 2012م، الذي شهد معارك تحرير المدن، في معارك كبرى حرصتْ أن توجد فيها إلى جانب مجموعات الجيش الحر أو الحركات الإسلامية المتشكّلة حديثاً، وكان وجود الاستشهاديين لدى الجبهة إضافة لإتقانها تكنيكات التفخيخ والتفجير عاملاً مهمّاً في أن تشكّل رغم قلة عددها قوّة مؤثّرة في الاقتحامات للقطع العسكرية المحاصرة، ما كوّن لها علاقات عسكرية ميدانية عدا عن صنع صورتها الحربية كمجموعة معروفة بشراستها في المعارك، خاصة مع تزايد حدة المجازر الطائفية وكون الجبهة تتبنّى توصيفاً طائفيّاً للصراع، وتربط النصر بتحقّق الخلافة الإسلامية، باعتبار المرجعية الرمزية في أدبيات الجبهة وخطابها تنتمي لتاريخ القاعدة والجهاد العالمي أكثر مما هي متصلة بأدبيات الثورة السورية وسيرورتها، والتي بحكم إحالتها إلى هوية استعمارية مصطنعة –حسب الخطاب الجهادي العالمي- لا تحضر كرمزيّة قادرة على الحشد والانتماء لدى الجبهة، ما ظهر أكثر في إشكالية الأعلام، والتي لم تتوقف على عدم تبنّي جبهة النصرة لعلم الثورة السورية، بل إلى حوادث اعتُدي فيها على هذا العلم نفسه باعتباره يمثّل رمزيّة علمانيّة مقابل راية الشهادة السوداء التي تمثّل انتماءً إسلاميّاً صرفاً، الأمر الذي أدانته الجبهة ومنعت عناصرَها منه.

 بلغ القلق الهوياتي في جبهة النصرة (قلق البنية ما بين الانتماء المحلّي والمعولم، وقلق الايديولوجيا ما بين فكر أبي مصعب السوري ومنهج دولة العراق الإسلامية) منتهاه مع إعلان أبي بكر البغدادي دمْجَ جبهة النصرة مع تنظيمه وإعلان “الدولة الإسلامية في العراق و الشام” في نيسان من عام 2013م، الإعلان الذي لم يستجب له الجولاني وأعلن بيعته للظواهري.

 أدّى هذا الانشقاق إلى انحياز نسبة كبيرة من المهاجرين ونسبة أقلّ –ولكن موجودة- من السوريين إلى طرف البغدادي، وأضْعف في وقته قوّة جبهة النصرة بشكل كبير وملاحظ خاصة في المدن مثل الرقة وحلب، ليس بسبب فقدان عدد كبير من العناصر فقط، وإنّما لفقد نسبة من مخزونها العسكريّ أيضاً، مع سيطرة الجناح المؤيد للبغدادي على كثير من مقرات الجبهة ومستودعاتها.

 كانت استراتيجية الجبهة، لامتصاص آثار الانشقاق وتجاوزه، المزيد من التقرب وعَقْد التحالفات مع القوى الإسلامية السلفية خاصة، بحكم المشاركة الميدانية في المعارك أو المشاركة الإدارية في الهيئات الشرعية، والتأكيد على كونها الممثلة للتيار السلفي الجهادي العالمي الأبعد عن الغلوّ والتكفير والمتصالح مع المجتمع المحلّي، مع الحرص على إظهار التمايز عن تنظيم دولة العراق والشام، بالعلاقة مع المجموعات المقاتلة والمجتمع المحلّي، وبالاجتهادات الفقهيّة في مواضيع التكفير خاصّة، وترافق ذلك مع استدعاء الجبهة كطرف مقبول للتحكيم في النزاعات بين المجموعات المقاتلة، ذات الإيديولوجيا السلفية الواضحة أو بين مجموعات من الجيش الحرّ نفسه أحياناً.

 أسهم الاحتقان المستمرّ بين المجتمع المحلّي والمجموعات الإسلامية من جهة وبين تنظيم دولة العراق والشام من جهةٍ أخرى، بمزيد من التقارب والتوطين لجبهة النصرة ضمن المعادلة السوريّة، ما حرصتْ عليه الجبهة والقوى المواجهة لتنظيم الدولة، حتى لا يُحسب خلافُها مع تنظيم الدولة على أنّه خلاف مع المهاجرين أو مع التيار القاعدي، باعتبار جبهة النصرة كحليف تحقّق عدم وجود مشكلة مبدئية لدى هذه المجموعات السلفية السورية المحلية مع التيار القاعدي أو مع المهاجرين الذين مازالوا موجودين بوضوح في صفوف الجبهة، ظهر هذا التوطّن لجبهة النصرة ضمن المعادلة السورية بشكل واضح حين وقعت على بيان الـ13 المتعلّق بشان سوري داخلي هو سحب الثقة من الائتلاف الوطني.

 أضْعف قيامُ تنظيم “دولة العراق والشام” جبهةَ النصرة على مدى قصير، ولكنّه أسهم في مزيد من الاتساق الداخلي لدى الجبهة ومزيد من التوطّن ضمن المعادلة السورية ما زاد من قوّتها على المدى الأبعد.

هذه المقدمة الطويلة –والمختصرة- ضرورية لفهم موقع الجبهة الحالي وتطوّر حضورها في المشهد السوري وفي أيّ سياق يتموضع حديث أمير جبهة النصرة.

حديث الجولاني: الصورة والإقليم

في حديثه للجزيرة، حاول الجولاني إعادة رسم صورة الجبهة في الوعي العام، وعلى بعث رسائل إقليمية.

على مستوى إعادة رسم صورة الجبهة في الوعي العامّ، نلحظ ثلاث نقاط:

– أوّلاً حرص الجولاني على ألّا ينفي الجذور الجهادية العالميّة للجبهة، مؤكّداً المرجعية الرمزية المتمثلة بالجهاد الأفغاني والشيشاني والعراقي، ومؤكّداً على رواية البغدادي في أنّه –الجولاني- قدم إلى سوريا من صفوف دولة العراق الإسلامية وبالتنسيق معها. في الآن نفسه، وبنوعٍ من الموازنة والاتساق بديلاً عن المقابلة الضديّة، كان حريصاً على الانطلاق من “الثورة السورية المباركة” حسب التعبير الذي كرّره عبر المقابلة، مع ملاحظة أنّه قليلاً ما تسمّى الثورة السورية في الأدبيّات الجهادية بهذا الاسم وكثيراً ما يُشار إليها بـ”ثورة أهل الشام” ولا تستحضر إلا كمستدعية لإقامة الجهاد والخلافة، وبمراعاة التأزم مع هذه الهوية السورية على مستوى الشعارات أو الأعلام، يبدو تأكيد الجولاني على انتمائه للثورة السورية نقلة في الخطاب، خاصة مع تأكيده في سياق الحديث عن جنيف إلى أن “أطفال سوريا سيعتبرون من يحضر جنيف خائناً”، واستغراقه في الحديث عن النظام لا في سياقه الطائفي الإقليمي وحسب وإنّما بمظالمه الداخليّة كذلك، عدا عن حديثه عن سوريا كـ”مهد للحضارات والأديان”، ليؤسّس تصوّراً عن سياق عمليات جبهة النصرة كإحدى قوى الثورة السورية، وعن نفسه كأحد قيادات الثورة السورية والممثلين السياسيين لها.

 هذا الجانب، أنّ الجولاني يتحدّث كسوريّ منتمٍ للثورة السورية ويفكّر بمستقبل البلد السياسي، هو أهمّ ما نعتقد أنّ الجولاني أراد أن يصل من خلال المقابلة.

 – ثانياً، حرص الجولاني على أن يظهر كمتحدّث سياسي ومنظّر استراتيجي، بعيداً عن الخطاب الجهادي المعتاد والمشحون عاطفيّاً، هذا لا يتعلّق بنبرة الصوت الهادئة، بقدر ما هو في مفردات الخطاب نفسه، والتي تحاول إبداء قدر من الموضوعية حتى مع الخصوم، في أن يسمّي “حزب الله” باسمه دون تحريفه للتشنيع إلى (حزب اللات أو حزب الشيطان)، وفي الإشارة إلى أن ارتباط أمريكا باليهود مجرد ارتباط مصلحة لا تحكّم مؤامراتي، وفي الحديث عن حكومات الخليج دون تكفيرها المسلّم به في الخطاب القاعدي، في نقيض لصورة “الإرهابي الغاضب” المتداولة، ما يذكّر أيضاً بنموذج أبي مصعب السوري، المنظر الاستراتيجي الأشهر في تاريخ السلفية الجهادية والذي لا تغيب بصماته عن بنية الجبهة وتصوّراتها.

 – ثالثاً، وفي اتساق مع سياسة الجبهة بعد الانشقاق، حمل حديث الجولاني تأكيداً على تمايز الجبهة عن “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، سواءٌ في نقده لتكفير المجتمعات أو في حديثه عن إقامة الدولة الراشدة، ما يتضمّن نفياً لصفة الدولة عن تنظيم “الدولة” ولرشدها أيضاً، مع تأكيده على الخلاف المغلّف بتلطيف دبلوماسي؛ أنّه خلاف بين الأسرة الواحدة. وكذلك في عدم نيّة الجبهة احتكار الحكم أو حتى الوصول إليه، النفي الذاتي الذي يسبقه نفيٌ موضوعي يوجبه كون الجبهة لا تتوفّر على قوة قادرة على احتكار الحكم أو إدارة العملية السياسية.

 على المستوى الإقليمي، أرسل الجولاني ثلاث رسائل:

– إلى حزب الله، بإعلانه تأسيس فرع لجبهة النصرة في لبنان، وما يغلب على الظنّ أنّه إعلان يستهدف الترهيب الإعلامي أكثر من الإنذار الميداني الحقيقي.

 – وإلى السعودية، بحديثه عن حلول إيران محلّها في خارطة حلفاء أمريكا، ما يهدف إلى تنبيه السعودية إلى أن معركة الجبهة ليست معها، وأن من مصلحتها التخلّي عن سياسة التصعيد ضد الجبهة عبر حلفائها العسكريين في الداخل، ما دامت في موضع التهديد الأمريكي إلى جانب الجبهة، دون المبالغة بالقول إنّ من الممكن حصول تعاون بين جبهة النصرة والسعودية.

 – وإلى الولايات المتحدة الأمريكية، بالتنبيه إلى رسوخ الجبهة في الواقع السوري وتحالفاتها مع القوى العسكرية القائمة، و كونها تنفّذ مشاريعها بشكل مشترك، ما يجعل التفكير باقتلاعها أو استدخال القوى الإسلامية (كالجبهة الإسلامية التي لم يسمّها في المقابلة) في منظومة الحرب ضدّ الإرهاب غير ممكن.

 تمثّل جبهة النصرة تجديداً واضحاً ضمن الحركات التابعة للقاعدة، بحكم استثنائية الحالة السورية التي تعاملتْ معها جبهة النصرة بمحاولة تقديم نسق تتسق فيه ثنائيات متقابلة، على مستوى البنية والخطاب والاستراتيجية، سواءٌ من خلال قدرتها على المصالحة بين الانتماءين المحلّي والمعولم وتمثيلها لنموذج الولادة الثالثة للقاعدة المتمثّلة باندماج الأبعاد حسب مصطلح الباحث الأستاذ حسن أبو هنية، أو بين الانتماء القاعدي ذي الرؤية الأحادية الصلبة والتسليم بتعددية القوى الإسلامية وضرورة التحالف الميداني-السياسي معها، أو بين حاجة المقاتلين السوريين إلى اعتراف المجتمع الدولي ودعمه وتمسّكهم في الوقت نفسه بجبهة النصرة المصنّفة على لوائح الإرهاب.

 وتبدو استراتيجية جبهة النصرة في المرحلة القادمة متمثّلة بتقديم نفسها كإحدى الحركات السلفية السورية المتحالفة معاً، والموجودة كقوّة ثابتة ضمن الواقع السياسي-العسكري على المدى البعيد، في مواجهة محاولات تجاوزها من قبل القوى السياسية ضمن المعارضة السورية، أو محاولات اقتلاعها من قبل القوى الإقليمية والدولية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s