لقد سرَّني أَنّي خطرْتُ ببالِكِ

في أرقّ ما كان من شعر الأمويين قال ابن الدمينة :

لَئِن ساءني أن نلْتِنى بِمساءةٍ
لقد سرَّنى أَنّي خطرْتُ ببالِكِ

في محاكاة له يغنّي عبادي الجوهر : قلت ان قتلني حبّها حسبي تقول مرحوم !

كان ما قبل به الكاتب الوزير ابن الزيّات أقلّ من ذلك في قصيدته “سلام على الدار التي لا أزورها” حين قال :

رضيتُ بسعي الوهمٍ بيني و بينها
وإن لم يكن للعين فيه نصيب

يشكو المتنبّي -و الشكوى فنّه الأعلى- من هذا الحرمان العدم دون لمحة من أمل أو رضا , كما يليق بسخطه الدائم :

نصيبُك في حياتك من حبيب
نصيبُك في منامك من خيالِ

ما أوحاه ابن الدمينة لكلّ من بعده, أن هذه معارك لم نخترها , ولا نملك فيها عمق الطعنة ولا حتى مسار السيف , إن كان ثمّة , في هذا التواضع أمام حكم\حكمة القدر أمام عذاب\عذوبة الحبّ البائس , تصبح حسابات الربح والخسارة شأناً لا نملكه حتى كترف, إن كان ثمّة , وقتها يصبح الوجود في ذهن المحبوب , الوجود وحده أملاً , و الوجود وحده باعتباره تواصلاً ولو في الوهم دون لواحق عليه أو شروط, تحقّقاً للحبّ.

أدرك درويش ما بعد هذا الأمر, فهو لم يُحِلِ الأمر إلى القدر أو إلى تعنّت المحبوب, ولكن إلى أنّ هذا هو مكانك المحدّد والمطلوب لدى المرأة :
هي لا تحبّك أنت … أنت شاعرها وهذا كلّ ما في الأمر !
يريد الرجل وصلاً , اجتماعاً للكلمات أو الجسد, ليس اجتماعاً بقدر ما هو امتلاك يتمّ به نقص الفضاء\الزمن , ولكنه لدى المرأة مطلوب منه أن يثبت كونه محبّاً فقط , أو للدقة أن يثبت كونها محبوبة فقط , أن يكتب قصيدة عنها , أو يرسم صورة , أو يغنّي , أو تعرف أنه لم ينم غضباً أو عتباً أو رعباً , أراد درويش أن نكره هذه المرأة التي لم تحبّ فيه غير الشاعر حتى لو كان بقاء الشاعر مرهوناً بقطيعتها معه , لكن المرأة تقول لنا بكلّ بساطة : هل من يصلني الحبّ منه أحد آخر غير الشاعر؟

يقول نزار: تورّطت في الحب خمسين عاماً ولم أدر ماذا يدور برأس النساء؟, يقول الشاعر إن فشله -إن كان فشلاً- ليس لأنه لم يتقن الحرب, وإنّما لأنه لا منطق لدى الخصم ليكون في الهزيمة أو النصر دلالة عليه, وإنّما على المرأة المعقّدة والمغرقة في الفوضى حتى أنها لا تفهم نفسها, وقد يتهمها أحياناً بالقسوة أو الخيانة أو باقي قاموس المنتقمين لأنها لا تمنحه ما يقابل شعره , تعرف المرأة أن الأمر سهل وبسيط: ما دام يكتب لي فأنا محبوبة , وهل هناك أمر آخر؟

يقول سارتر : الآخرون هم الجحيم, تقول المرأة التي تدمن كونها محبوبة : الآخرون ما داموا ليسوا مرايا , فهم ليسوا جحيماً وإنّما ببساطة لا أحد.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s