عن ابن تيمية الفيلسوف

في نقده للمنطق الأرسطي، تعرّض ابن تيمية لأسسه الكلية و مفاهيمه المكونة مثل الحد و القضية و البرهان ، لنقضها باستدلالات و حجج في ذات الحقل اللغوي المنطقي -لا الفقهي- لنقضها ، و استعان في هذا النقد وفي بناء مشروعه البديل بالمدرسة الرواقية و بحجج خصوم له من الأشاعرة و استعمل ابن رشد أحياناً في ردّه على مسائل أشعرية كالعلية ، إضافة لإبداعه و عبقريته الخاصة في كثير من ردوده على مباحث المنطق ، التي لا يمكن إغفالها في دراسات مؤرخي الفلسفة المحدثين لنقد المنطق الأرسطي.

كان ابن تيمية فيلسوفاً و متكلّماً في موقفه من الفلسفة و الكلام، قبل أن يكونن فقيها ً و يصدر فتاواه المشهورة حولهما، بما يستلزمه ذلك من دراسة مذاهب الفلسفة و علم الكلام بتعمّق وافٍ و استيعابها و تجاوزها، لبناء مشروع تيمي يتعلق بنظرية للمعرفة مرتبطة بواقع سياسي و فكري اشتبك فيه ابن تيمية بكلّ ما لديه من جسد أو منبر أو كتاب ، دون أن يخرج عن تقاليد الحجاج التي يمتزج فيها أحيانا هدم الشخص مع نقد مذهبه او حتى الدخول في تكفير هذا المذهب ، فقد كانت هناك عناصر ممتزجة و متنوعة تشكل هذا الخطاب و المشروع ، و يخطئ من يريد إلغاءها حتى تكون صورة ابن تيمية أوضح ، فما شكّل ابن تيمية كمشروع و مدرسة هو هذا التنوع في مستويات الخطاب وأدواته و ظهور شخص ابن تيمية فيه، بما تقتضيه أمانة البحث من استيعاب هذا الخطاب المستقل و فهم عناصره ، لا حذف أحدها حين لا يتسق مع نموذج مسبق.

ربما كان ابن تيمية سيفضل لو بقيت كتبه حبيسة أحد السجون التي مر عليها ، لو علم أن مشروعه سيختزل لدى من يتوهمون احتكاره في صورة أحكام فقهية :حلال/حرام، لدى من لا يستوعبون منه كما لا يستوعبون من الدين و الحياة غير كونها مجموعة أحكام حلال/حرام.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s