ماذا تبقى للدولة الباقية؟

ندخل هذه الأيام الشهر الثاني من الحرب مع تنظيم دولة العراق والشام، الحرب التي بدأت مع جيش المجاهدين في 3 كانون الثاني 2014، بعد محاولة التنظيم السيطرة على الأتارب والفوج 46 في ريف حلب، ما فجّر الخلافات المتراكمة المعلنة أو المسكوت عنها، وعلى المستويات الميدانية والإيديوجية والهوياتية، من قبل معظم القوى المقاتلة في صفوف الجيش الحر أو الفصائل الإسلامية السلفية، ضد تنظيم الدولة.
وما بدا على أنه خسارة سريعة للتنظيم في وقته، توضح أنه صدمة آنية قلّصت من حجم التنظيم جغرافياً وميدانيّاً، ولكنها لم تنجح في استئصاله أو منعه من الرد والمبادرة ضد خصومه أو حتى استعادة مناطق سيطر عليها الثوار، بقدر ما أعاد التنظيم بناء خططه واستراتيجياته و”بروباغندا” الحشد الخاصة به بشكل سريع.
في النظر إلى هذه الحرب الطويلة لا بد من قراءة خطة التنظيم وحدود تحركه النظري والميداني.
صدمة الميداني بين الوهم والممكن
تلقى تنظيم الدولة صدمة ميدانية خلال أيام الحرب الأولى معه، ما توضح من خلال خسارة الجزء الأكبر من مقراته في ريف حلب وريف إدلب وريف دير الزور خلال عدة أيام فقط من بدء القتال، ما أظهر حجم القوة العسكرية الضئيل فعليّاً مقارنة بفصائل الثورة السورية في المحافظات التي كان يتمدد فيها بشكل رئيسي، والذي أظهر ضعف التنظيم في المواجهة المباشرة، إضافة إلى محدودية إمكاناته البشرية مقارنة بالعدد الهائل المواجه له.
هذه الصدمة التي زعزعت الرواية الإعلامية عن قوة “الدولة” والتي تسقط الشرعية الموضوعية عن كونها “دولة” ما دامت لا تستطيع حماية حدودها، أو بمصطلح آخر أنها لا تقوم بها المنعة والشوكة، حسب الفقه السياسي نفسه الذي تستعيده الدولة لتأكيد شرعيتها.
لكن هذه الهزيمة لم تكن هزيمة كاملة أو قادرة على الاستمرار بسبب عدم وحدة فصائل الجبهة الإسلامية، الجسد العسكري الأضخم، في مواجة تنظيم الدولة، ما ظهر من خلال اتفاقات هدنة عقدتها كتائب من أحرار الشام في بعض المناطق، أو الوقوف على الحياد في مناطق أخرى، أو الانسحاب من مناطق الاشتباك، كما حصل في الرقة (والكتيبة التي اختارت الانسحاب واعتزال الفتنة أعدم التنظيم ميدانيّاً 120 مقاتلاً ممن اعتقلهم من أفرادها في 12 كانون الثاني 2014م)، إضافةً إلى تأخر استجابة فصائل أخرى مثل لواء التوحيد وصقور الشام إلى الدخول في الحرب مع تنظيم الدولة إلى أن تتعرض قواته إلى استهداف مباشر منها (كما حصل في سراقب في 11 كانون الثاني 2014م)، مع التأكيد على الدور الحاسم الذي أسهم فيه دخول الجبهة الإسلامية (لواء التوحيد وأحرار الشام وصقور الشام خاصة) في الحرب في حسم المعركة في مناطق ريف إدلب وريف حلب.
ولكن هذا الاختلاف الداخلي والتأخر في إعلان موقف حاسم وجذري من الحرب من قبل شرعيي الجبهة و قادتها (التأخر الذي قد فرضه ربما خوف من انقسام الجبهة أو حدوث انشقاقات فيها من قبل العناصر الذي يتخوفون من ارتكاب مخالفة شرعية في قتال التنظيم) أسْهَمَ في انفراد جيش المجاهدين أو كتائب محلية من الجيش الحر في مواجهة تنظيم الدولة في بعض المناطق، ما ساعد تنظيم الدولة على استعادتها (مثل جرابلس والباب والرقة).
ساهمت استعادة هذه المناطق، وفتور حدة القتال مع التنظيم، وعدم بلورة فتاوى وعقيدة قتالية صلبة لمواجهة التنظيم موازية للعقيدة الصلبة التي يمتلكها التنظيم ضد خصومه، في استعادة الثقة الميدانية للتنظيم، الذي غير بشكل سريع قواعد الاشتباك وتكتيكات المواجهة مع الثوار، باتباعه أسلوب السيارات المفخخة (بدءاً من ليلة الخامس من كانون الثاني الحالي)، التكتيكات التي يمتلك التنظيم خبرة طويلة بها في العراق.
وكان واضحاً أن التنظيم أدرك ضعفه في المواجهة المباشرة مع الثوار على جبهات ممتدة، ما أدى إلى تركيز القتال في جبهات محددة، والاعتماد في هذا القتال بشكل رئيسي على السيارات المفخخة.
صدمة الرمزي: سقوط الشرعية وخذلان الأقربين
يعتمد التنظيم في “بروباغندا” الحشد والتعبئة وإثبات الشرعية، على العنف الرمزي السابق على العنف المادي، والمتمثل بالتأكيد على كونه “دولة الإسلام” في مقابل “الصحوات والروافض والصليبيين”، هذا التأكيد الذي يمارَس عبر سلب الشرعية الإسلامية عن الفصائل الإسلامية الأخرى، وسلب تمثيلها العقدي لا السياسي فقط للإسلام، ما يؤول إلى تكفير جميع المخالفين ما داموا غير تابعين للتنظيم، و هذه “البروباغندا” الملازمة لأي منظومة شمولية ساهمت في صهر العناصر في التنظيم، و قدرته على ممارسة سياسات عدمية وانتحارية في مواجهة خصومه.
ولأن هذه الشرعية الإسلامية كانت المرتكز الأساس لخطاب التنظيم و قدرته على الحشد والمواجهة، باعتبارها تمثل شرعية كونه دولة، فقد كانت مواجهة التنظيم للقوى الإسلامية مقدّمة وأعنف من مواجهته لغيرها، باعتبارها تنافسه على هذه الشرعية وعلى تمثيل الإسلام، وكلّما اقتربت هذه القوى من التيار السلفي الجهادي تصبح المواجهة أعنف لأنها تمثل تحدّياً أقوى للشرعية ولتعريف الذات الجهادية لنفسها.
يصعب على إيديولوجيا التنظيم الأحادية والعدمية أن تستطيع التعايش مع أي نقد أو اختلاف، الصعوبة الإيديولوجية التي توازيها صعوبة عملية نتيجة ممارسات التنظيم القمعية والإقصائية، والتي جعلت من الصعب على الشخصيات والمنظمات الجهادية أن تتحمل الكلفة الأخلاقية والشرعية و”الشعبية” للسكوت عنها.
منذ ما قبل الحرب الأخيرة بسنوات، كانت هناك انتقادات داخل التيار السلفي الجهادي لسلوكيات التنظيم في العراق، ما كشفته وثائق “أبوت أباد”، وما أكدته الكثير من الفتاوى والبيانات التي رفضت إعلان التنظيم نفسه كدولة، ولكن هذا الخلاف بقي داخل “الصف الواحد”، حفاظاً على المصلحة الجهادية العامة (كما ظهر من خلال دعم القاعدة المطلق لفرعها في العراق في مواجهاته مع الصحوات).
وفرت الثورة السورية للتيار السلفي الجهادي أرضية للتمدد وكسب الشرعية الشعبية، الأمر الذي حرصت عليه حتى القاعدة التي حرصت على دعم الثورات العربية حتى في مرحلتها السلمية، وأكد الظواهري على أن القاعدة ترضى من يرضاه أهل الشام حاكماً لهم، وما أظهرته بشكل واضح سياسة جبهة النصرة فيما بعد التاسع من نيسان 2013م (حين أعلنت دولة العراق والشام بضم جبهة النصرة إلى إمرة البغدادي ورفضت الجبهة هذا القرار) والتي حرصت على التصالح مع المجتمع المحلي وإظهار كونها فصيلاً سوريّاً بمشاركة المهاجرين (للتوسع في الموضوع مراجعة مقال “ماذا أراد الجولاني؟” المنشور في زمان الوصل).
زلْزلَ انتقاد رموز في التيار السلفي الجهادي القاعدة الشعبية للتنظيم، ما أثر على مصادر الدعم أيضاً، الانتقاد الذي توسعت دائرته بدءاً من معظم العلماء والداعمين المؤثرين في التيار السلفي بشكل عام، ليشمل معظم رموز الصف الأول والصف الثاني داخل التيار السلفي الجهادي العالمي، يمكن أن نذكر هنا أسماء مثل الشيخ أيمن الظواهري (الذي رفض تنظيم الدولة أمره بانسحاب التنظيم إلى العراق في حزيران 2013) والشيخ سليمان العلوان والشيخ عبدالعزيز الطريفي وشافي العجمي وحجاج العجمي وعبدالله بن محمد (شؤون استراتيجية) وصولاً لأبي محمد المقدسي وأبي قتادة الفلسطيني (وكلاهما من المؤسسين للتيار السلفي الجهادي) وأبي محمد الجولاني (قائد جبهة النصرة) إضافة لقادة الجبهة الإسلامية، وصولاً إلى الشيخ المحيسني (في 2 شباط) الذي كان يُحسب حتى وقت طويل على انصار التنظيم ويتهم بمحاباته والتستر على جرائمه، ما علّله المحيسني بحرصه على الصلح و “وأد الفتنة”، وما أسهم في موثوقية المحيسني لدى انصار التنظيم ومقاتليه، وما جعل شهادته الأخيرة التي انتقد فيها التنظيم واعتبر جرائمه سبب الحرب ضمن الأكثر تأثيراً على تقلص القاعدة الشعبية للتنظيم، وصولاً إلى بيان القيادة العامة لتنظيم قاعدة الجهاد (في 3 شباط الجاري)، الذي نفى صلته التنظيمية بدولة العراق والشام أو كونها تمثل فرعاً من فروعه، والذي يمكن تشبيهه بالمسمار الأخير في نعش شرعية التنظيم داخل التيار السلفي الجهادي.
الاستراتيجية البديلة: الاستهداف النوعي لا التمدد الموسع
في مقال سابق نُشر في زمان الوصل (الثورة والدولة: في جذور الحرب)، درسنا طبيعة التمدد الذي مارسه التنظيم والذي أسهم في تفجير الحرب ضده، التمدد الذي كان له هدف جغرافي بحت يتمثل بتوسيع رقعة السيطرة ، وأهداف جيو-استراتيجية تتمثل بتأمين طرق الإمداد والرقابة (أو السيطرة) على المعابر، إضافة لتأمين الموارد المالية.
مع الانحسار الذي مُني به النتظيم خلال الحرب، و اكتشافه عدم قدرته على المواجهة على جبهات ممتدة، أو السيطرة على مناطق جغرافية واسعة، وسقوط شرعيته داخل التيار السلفي الجهادي ما ضاعف طبيعة المعركة كمعركة وجود انتقامية، ردّ التنظيم:
أوّلاً بالتحول في تكتيكات المواجهة العسكرية نحو الاعتماد على السيارات المفخخة والاغتيالات المخطط لها (كما في اغتيال القائد العسكري في لواء التوحيد عدنان بكور، والقائد العسكري في ألوية صقور الشام حسين الديك، والقائد العسكري للواء شهداء إدلب حمدو الباشا، في يوم واحد في 1 شباط 2014م).
ثانياً بالتحول في استراتيجية المواجهة، بعد استقرار سيطرته على الباب والرقة نحو التركيز على الاستهداف الاستراتيجي النوعي لا التمدد الجغرافي الموسع، الاستراتيجية التي ظهرت بدءاً من أول شباط الجاري، من خلال محاولة الهجوم بالسيارات المفخخة على مدرسة المشاة(1 شباط)، والسيطرة على سجن الراعي التابع للواء التوحيد في ريف حلب (1 و 2 شباط)، ثم السيطرة على حقل “كونيكو” للغاز في دير الزور التابع لجبهة النصرة (2 شباط)، ما يعني تحوّلاً إلى استهداف المفاصل الميدانية و الاقتصادية النوعية للفصائل الأخرى (والسيطرة عليها) كأولوية على التمدد الجغرافي الذي يتحقق ضمناً بعد تحقيق “شوكة النكاية” بالصحوات التي تُمثّلُ مع تأمين موارد اقتصادية وطرق إمداد، أولوية انتقامية وبراغماتية ووجودية للتنظيم.
خاتمة
يمتلك تنظيم الدولة خبرة في الحرب طويلة الأمد ضد المجتمعات المحلية والجيوش النظامية، وتؤكد أدبياته على قيمة الغربة والابتلاء ما يوفر حاضناً وجدانيّاً لتوقع معاداة المجتمع والفصائل لها، وطور خلال سنوات أدوات المواجهة التي تتمثل بفتاوى قتل المرتدين والصحوات وتكتيكات السيارات المفخخة والاغتيالات المخطط لها، ويركّز حاليّاً على الاستهداف الاستراتيجي النوعي للمفاصل الميدانية والاقتصادية المؤثرة للفصائل المختلفة، ويبدو أن توحد الفصائل السلفية شرعيّاً في توصيف التنظيم بخروجه أو بغيه أو ترك الاحتكام لشرع الله يؤثر على القواعد الشعبية والداعمة للتنظيم إضافةً لتأثيره على انشقاق عناصر منه (نحو جبهة النصرة أو غيرها ضمن مسارات السلفية الجهادية العديدة التي توفرها الحالة السورية)، ولكنه لن يؤثر ميدانيّاً ما لم يتخذ قرار حاسم وخطة موحّدة لمواجهة التنظيم بشكل جذري، المواجهة التي قد يضعفها أو يمنعها استغلال النظام لمواجهة المعارضة لداعش من ناحية واستغلال داعش لمواجهة المعارضة للنظام في مئات الجبهات من ناحية مقابلة، ولا يبدو لدى المجتمع الدولي وأمريكا خاصة اهتمام بالقضاء على تنظيم دولة العراق والشام لأنه مهتم بالإبقاء على حالة من اتهام السنة في العراق ومنعهم من الحصول على حقوقهم مع ديمومة تسلط الجيش العراقي الطائفي عليهم، إضافة إلى حرصه على وجود فزاعة تضمن استمرارية شرعية خطاب الإرهاب الذي يؤمن تدخلها الدائم في الشرق الأوسط ويؤمن دخلاً متزايداً لشركات السلاح وجهاز المخابرات، إضافة لعدم قدرة المعارضة السياسية على الحسم السياسي أو حتى توفير الدعم العسكري للثورة.
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s