عن نقد المحدّثين لكتب الأدب

في مسألة كأخبار كتاب الأغاني , دوماً ما يوجّه نقد ذو طابع حديثي يتعلّق بأن أسانيد هذه الأخبار غير محققة , وأن الأصفهاني لا يستبعد منه الوضع, لكن هذا النقد لا يتوجه لتفنيد اخبار معيّنة ومشخّصة بقدر ما يتوجه لتفنيد الاستدلال بالكتاب عامة على أوضاع المجتمع و ذيوع “الغناء” في التاريخ الإسلامي.

هذا النقد يثير مسألة الفرق ما بين الحديث والتاريخ, بله الفرق بينهما وبين الأدب, عدا عن إحالته إلى شكل من الطهرانية في التعامل مع التاريخ الإسلامي باعتباره يمثل الإسلام نفسه, ما يؤول لا إلى تنزيه هذا التاريخ من الأخطاء وإنما إلى تنزيهه من التاريخ نفسه.
وهذه إحدى أعراض الوعي المهزوم المصاب بعصاب نقاء الهوية ومطابقتها مع التاريخ.
وهذه مسألة طويلة, ولكن ما أريد قوله هنا يتعلّق بمسألتين :

الأولى : أن هناك مانعاً موضوعيّاً من محاكمة أخبار الأغاني بالجرح والتعديل, وذلك عدا عن أن المواعظ يتساهل الرواة بنقلها أكثر من الأحكام, ولا شك أن الأدب يستلزم تساهلاً أولى إذ هو أبعد عن العقيدة, فإن الجرح والتعديل متعلّق برواة الحديث حصراً , لا برواة التاريخ , ولا برواة الأدب, وبالضرورة لا بالمنشغلين بجمع أخبار الأغاني والسماع (بغض النظر عن استدخال السماع فيما بعد ضمن الرياضات الشرعية لدى الصوفية), وهذا لا يعني أن التداخل ممتنع, فقد يكون الرجل من رواة التاريخ ومن رواة الحديث معاً, لكن ليس كل هذا كل ذاك, ولو أتانا شيخ مسجد اليوم ليحدّثنا عن أخبار مجتمع أكاديمي لا يعرفه لما قبلنا روايته, طبعاً لا علاقة للأمر بحكم الغناء والألحان (المسألة المختلف عليها فقهيّاً رغم كل التعميمات المتساهلة حول تحريمها) بقدر ما هو بطبيعة هذه المجالس, وطبيعة المجتمع العلمي المشتغل بالحديث, وعدم خبرته بطبيعة الحال بأوساط أخرى ضمن المجتمع الإسلامي العام.

الثانية (وهي الأهم): هو أنه ليس المهم عند استدعاء أخبار الأغاني لاستكناه وفهم طبيعة ممارسة الأدب والغناء تاريخيّاً ضمن المجتمع الإسلامي, أن يكون الخبر بتفاصيله صحيحاً, بقدر ما هو منطق التاريخ نفسه, والذي لا يهمّ تفاصيل وأسماء شخوصه, لأن هذه الأسماء حتى إن أردنا الكذب عليها , ستوضع ضمن سرد يسمح به الوقت الذي تُصاغ غيه القصة الكاذبة.
فلنتأمل مثلاً لو أن أحدهم في مذكراته روى أن زيداً ركب عام 1980 سيارة بيضاء إلى ميدان س ليشرب الخمر , ما يهم الباحث التاريخي هنا ليس أن زيداً ركب السيارة فعلاً أو أن السيارة بيضاء أو أن زيداً شرب الخمر أم لا, بقدر ما هو أنه كان هناك سيارات في ذلك العام , وأن هناك ميداناً اسمه س , وأن الخمر كان ممكناً شربه هناك, وأن اسم زيد كان مستعملاً.
أي أن خبر كاذب ضمن التاريخ ,لا بدّ أن يُصاغ وفق الممكن الذي يتيحه الراهن بالنسبة للراوي.
وعلى هذا فليس بالضرورة أن تكون أخبار الأغاني جميعاً دقيقة بتفاصيلها السردية وأسماء شخوصها, بقدر ما أن هذه الأخبار دوّنت في القرن الثالث الهجري, وشكّلت خزانة أدبية حُملت من بغداد إلى الأندلس لقيمتها, ولم يقل أحد وقتها إنه ليس في مجالس الخلفاء غناء وشراب, أو أنه ليس هناك مغنيات في مجالس التجار, أو أنه ليس ثمة حانات للخمر, أو أنه لم يكن ثمة عود.

وهذا لا يعني تقديم صورة غرائبية جنسية عن الشرق شبيهة بصورة الاستشراق, فهذا ما لا تحمله كتب الأدب أساساً – الأغاني وغيره- لمن قرأها, بقدر ما أنها دعاية من لا يعرفون هذه الكتب ولم يدرسوها , وإنما هي كتب أخبار و أشعار تشكل خزانة تاريخية وأدبية قيّمة, ولا بد من دراستها مثل كتب التاريخ وكتب الفقه والطبقات لأي دراسة تاريخية تتوخى فهم المجتمع وتشكيل صورة قريبة منه في مكان ما وزمان ما وثقافة ما.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s