ما بعد الجبهة الإسلامية : هزات ارتدادية لزلزال لم يكتمل

في موقع زمان الوصل

أعلن عن تشكيل الجبهة الإسلامية في 22 تشرين الثاني 2013م من اتحاد فصائل إسلامية كبرى (حركة أحرار الشام الإسلامية، جيش الإسلام، لواء التوحيد، ألوية صقور الشام، لواء الحق، كتائب أنصار الشام، الجبهة الإسلامية الكردية)، لتكون أساساً لاندماج شامل وحاضناً للحالة الإسلامية السورية المقاتلة، وقد سبق إعلان التشكيل تنسيق واجتماعات مشتركة استمرت حوالي سبعة أشهر، بما استتبعه ذلك من توضيح للظاهرة الإسلامية السلفية المشتركة، وإظهار دخول المجموعات المقاتلة على خط المشاركة السياسية، ولئن لم تنجح الجبهة الإسلامية في تحقيق أهدافها كحاضن إسلامي جامع، فقد كان لها أثر بعيد في قيام تكتلات واتحادات مختلفة ما زالت تتوالى حتى اليوم، ما يعني أنها كانت نقطة تحوّل فاصلة في مسيرة الثورة السورية المسلّحة.
الميداني والايديولوجي: مراحل التوسع
مرت الثورة السورية المسلحة بمراحل عدّة، بدءاً من مجموعات محلية صغرى في بلداتها، إلى تحالفات على أساس الانتماء إلى الريف المشترك أو المدينة نفسها، إلى مجموعات على مستوى الأقاليم الداخلية (الجبهة الشمالية، الجنوبية، الشرقية، ..)، وكتائب الفاروق أحد الأمثلة المبكرة على هذا التنظيم والتحالف الموسع في الجيش الحر.
وبشكل موازٍ كانت تتم مراحل التوسع الايديولوجي لا الجغرافي فقط، وكانت جبهة النصرة التي أعلن عنها في 24 كانون ثانٍ/يناير 2012 أول كيان واضح الايديولوجية ومنتشر على مستوى سوريا، تلاها قيام مجموعات إسلامية محلّية مثل لواء الإسلام وحركة أحرار الشام (جذور اللواء والحركة سابقة على الجبهة، ولكن إعلانهما كلواء وكحركة كانا بعد الجبهة)، وفي صيف 2012 بدأت تظهر تحالفات على مستوى وطني ايديولوجي معاً، فظهرت جبهة تحرير سوريا في أيلول 2012م (والتي أضيفت كلمة الإسلامية إلى اسمها لاحقاً)، والجبهة الإسلامية السورية في كانون الأول 2012م، وكلتاهما حاولت أن تشكل مظلة وطنية إسلامية كبرى، ولكن التنسيق المشترك وتضخم الفصائل وظهورها الواضح كفصائل مؤثرة وحاكمة في مناطقها، أدى إلى ازدياد التقارب بينها، وصولاً حتى إعلان الجبهة الإسلامية في تشرين الأول 2013م، (يحتاج التفصيل لمراحل الثورة السورية المسلحة لبحث مفصل مستقل).
في 24 أيلول 2013م ظهر البيان رقم1، أو بيان الـ13 ليعلن سحب الشرعية من الائتلاف ودعوة جميع القوى للتوحد تحت مظلة إسلامية، البيان الذي كانت القوى المشكلة للجبهة الإسلامية عماده الرئيس، وكانت جبهة النصرة ضمن الموقعين، وكانت أول محاولة لإظهار وجود قوة إسلامية فاعلة ومؤثرة وهي مصدر للشرعية السياسية، ويجب أن تكون ممثلة فيه، بعد تأسيس الائتلاف الوطني بناء على التوازنات السياسية والإقليمية، لا على تمثيل القوة الثورية الميدانية، وقد تلا هذا البيان بعدة أسابيع بيان آخر حول جنيف توسعت قاعدة الموقعين فيه إلى قوى لا تمتلك ايديولوجية إسلامية، نتيجة تنبيه البيان رقم1 على حق المجموعات المسلحة في أن تمنح الشرعية السياسية، ما وسع من قاعدة المقتنعين بهذا الحق.
في 3 كانون الأول/ديسمبر بدأت الحرب الموسعة مع تنظيم دولة العراق والشام، الحرب التي لم تكن ساحتها الايديولوجية تقل ضراوة عن ساحتها الميدانية، حيث شهد الفضاء الافتراضي الجهادي زخماً عالياً في النقاشات والفتاوى المتعلقة بهذا القتال، والذي أظهر ضرورة وجود مظلة شرعية للمواجهة وعدم كفاية الميداني لمواجهة خطاب ايديولوجي، ما زاد في إحساس المجموعات المقاتلة بضرورة وجود مرجعية ايديولوجية ناجزة وخطاب قادر على توليد إجابات شرعية للإشكالات الميدانية التي تواجهها.
تحالفات ما بعد الجبهة
سنعرض بشكل موجز لأبرز التحالفات العسكرية التي قامت بعد الجبهة الإسلامية (تنويه سبق تعريف جيش المجاهدين والاتحاد الإسلامي في مقال سابق وسننقل منه التعريف الحالي مع بعض الإضافات):
1- الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام
تأسس الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام في 6 كانون الأول/ديسمبر 2013م، وهو مكوّن من: ألوية الحبيب المصطفى، كتائب شباب الهدى، تجمع أمجاد الإسلام، لواء درع العاصمة، ألوية وكتائب الصحابة، وبقيادة: أبو محمد الفاتح. يمثّل الاتحاد مع جيش الإسلام أكثر فصيلين عسكريين في دمشق وريفها، مع وضوح سيطرة جيش الإسلام أكثر في الغوطة الشرقية، ونشاط الاتحاد المكثف في المناطق الغربية من ريف دمشق مثل داريا والمعضمية، إضافة للمناطق الجنوبية من المدينة. ويحضر في الاتحاد تأثيرات من تيار التدين الدمشقي (جماعة زيد خاصة)، إضافة للمدرسة الإخوانية (دون الارتباط بالجماعة بالضرورة) والنَفَس الجهادي، مع غلبة فئة الشباب في القيادات، وترفع كثير من كتائبه علم الثورة السورية في راياتها.
2- جبهة ثوار سوريا
أعلن تأسيس جبهة ثوار سوريا في 9 كانون الأول/ديسمبر 2013م، وكان “تجمع كتائب وألوية شهداء سوريا” بقيادة جمال معروف (الاسم الذي يثار حوله الكثير من الجدل بين المهاجمين له والمدافعين عنه)، هو المكوّن الأساس في الجبهة مع كتائب مختلفة تتركز في ريف إدلب بمعظمها، واقترن اسمها باسم قائدها منذ البداية، فيما أثير أنه تشكيل “علماني” لمواجهة التشكيلات “الإسلامية” المتوسعة، وإن كانت هذه العلمانية بمقاييس العمل المسلح لا تعني الدعوة للعلمانية طبعاً، بقدر ما هي الشك بخدمة أهداف إقليمية معارضة لتوسع الإسلاميين، التهمة التي ينفيها أنصار الجبهة كما ينفون اتهامات قائدها جمال معروف بالسرقة أو التخاذل، كما حاولت الجبهة نفسها نفي هذا الطابع عبر تأكيدها على التزامها بالمرجعية الإسلامية والخضوع للشرع (وإن كانت لغة البيانات الأولى خاصة تظهر ضعف المرجعية العلمية الشرعية خلفها)، وإن كانت هذه التهمة أخذت صدى وترداداً واسعاً مع الاشتباكات التي حصلت بين جبهة ثوار سوريا والجبهة الإسلامية بعد أيام من تأسيسها، الاشتباكات التي انتهت باتفاق صلح بين حسان عبود وجمال معروف.
شاركت الجبهة بقوة في القتال ضد تنظيم دولة العراق والشام منذ كانون الثاني 2014، ما شكل حجة قوية لدى أنصار التنظيم لاتهام المحاربين لها بأنهم غير إسلاميين، أو يمتلكون أهدافاً مشبوهة، كما اتهمت الجبهة بقتل “أبو عبد العزيز القطري” أمير جماعة جند الأقصى، الاتهام الذي نفته الجبهة بدورها.
كما دعمت الجبهة قرار الائتلاف الوطني بالتفاوض في جنيف، في مقابل موقف الجبهة الإسلامية الرافض، واستقبلت الجبهة رئيس الائتلاف الوطني أحمد الجربا في ريف إدلب في زيارة سريعة قام بها.
تمثل الجبهة تحالفاً أقرب للجناح السعودي للتأكيد على استمرارية “الجيش الحر” وقدرته على التكيف والتأثير مع تغير الخارطة العسكرية الداخلية والسياسية الخارجية، وبداية اختبارية لإعادة صياغة علاقة المعارضة السياسية بالواقع الميداني، والذي أدّى إليه بشكل رئيسي قيام الجبهة الإسلامية كمنافس سياسي وعسكري.
3- جيش المجاهدين
أعلن عن جيش المجاهدين في 2 كانون الثاني 2014م، في الليلة السابقة على إعلانه الحرب مع تنظيم دولة العراق والشام، وهو مكوّن من: تجمع فاستقم كما أمرت، كتائب نور الدين زنكي، الفرقة 19. يمثّل الجيش تحالفاً ميدانيّاً بين قوى صاعدة وأثبتت تأثيرها في حلب وريفها، المنطقة التي يمثل لواء التوحيد (المكون في الجبهة الإسلامية) الفصيل الضخم الأول والأكبر عدداً فيها والذي يشكل ثوار ريف حلب مكونه الرئيسي، وينتمي الجزء الأكبر من جيش المجاهدين إلى حلب وريفها، مع نسبة لا بأس بها من المدينة والشباب الجامعيين، ولا تتضح مرجعية شرعية واضحة –أو ايديولوجيا ناجزة- في قياداته، وإن كان أقرب لنمط التدين المجتمعي العام في حلب، بما يمثله من تيار إسلامي شبابي مدني صاعد.
واشترك الجيش في أكثر من بيان مع الجبهة الإسلامية ومع الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام، التحالف في البيانات السياسية الذي قد يفرضه عدم تشكل مرجعية شرعية وفكرية ضمنه، والحاجة لتوسعة قاعدة التأثير والانتشار.
4- حركة حزم
أعلن عن تشكيل الحركة في 26 كانون الثاني 2014م، بقيادة الملازم أول عبدالله عودة، وتقوم بشكل رئيسي على كتائب فاروق الشمال وفاروق حماة ولواء الإيمان مع كتائب محلية ضمن ريف حماة بشكل رئيسي، إضافة لريف إدلب، ويلاحظ أن بعض تشكيلات الحركة كانت منضوية ضمن جبهة ثوار سوريا، مع تقسيم الحركة عسكريّاً إلى قطاع جنوبي وقطاع شمالي.
وتظهر الحركة نفسها ككيان عسكري منظّم، ويقدّم مشروعاً سياسيّاً، ويستند على شرعية إسلامية، ولا يقاطع من حيث المبدأ الكيانات المعارضة السياسية والعسكرية المعترف بها إقليمياً، بقدر ما يتخذ تحيّزاً ما ضمنها يشمل (كان رئيس هيئة الأركان السابق سليم إدريس في فيديو إعلان الحركة، كما رفضت الحركة قرار إقالة سليم إدريس).
5- جيش الشام
أعلن عن تشكيل جيش الشام في 18 شباط 2014م، وعماده بشكل رئيسي لواء داود المنشق عن تنظيم دولة العراق والشام خلال الحرب الأخيرة معه، والذي كان ضمن ألوية صقور الشام قبلها، كما يضم الجيش تشكيلات مختلفة في ريف إدلب بشكل رئيس، ويمكن تفهم تشكيل الجيش من حرج لواء داود من العودة للجبهة الإسلامية حتى لا يتهم بدعمه للحرب الأخيرة على التنظيم الذي كان جزءاً منه، والجيش أيديولوجيّاً يمكن اعتباره مساراً بديلاً عن الجبهة الإسلامية وداعش، لكنه ميدانيّاً منافس للجبهة الإسلامية وجبهة ثوار سوريا باعتبار قوته الأساس في ريف إدلب، حيث تشكل الجبهة الإسلامية وجبهة ثوار سوريا القوّتين الأضخم، وحرص الجيش على إظهار كم العتاد العسكري الضخم منذ البداية، وما زال تقييم الجيش بشكل نهائي مبكّراً إذ ما زال في بدايته.
خاتمة
تشكّلت الجبهة الإسلامية كقوة كبرى من 70 ألف مقاتل، ومن أضخم الفصائل عسكريّاً وأكثرها توضيحاً لتحيّزها الإسلامي ايديولوجيّاً، وتفرض نفسها كبديل عن هيئة الأركان، تحدّياً داخليّاً وخارجيّاً مشتركاً، للكتائب وللداعمين السوريين والإقليميين، لأنها تفرض نفسها كقوّة/شرعيّة أولى، هذا الاستفزاز الميداني والايديولوجي ساهم في تهيئة أرضية طلب على المنافسة وكسر الاحتكار، من قبل قوى داخلية وخارجية، هذا ما ساعد في دخول التحالفات المسلّحة طوراً جديداً مكثّفاً، وإن كان لم يصل إلى مستوى “وطنيّة” الجبهة الإسلامية (الوطنية كدلالة على الانتشار لا كحكم قيمة)، وكان في غالبه تحالفات ضمن الجبهة المحلية الموسعة أو ضمن الريف نفسه.
وساعد على ذلك فشل الجهات المعارضة المعترف بها إقليميا في فرض شرعية ما من خلال نجاح سياسي ما زاد من الطلب على مشاريع سياسية بديلة، كما أكدت المواجهة مع داعش على ضرورة الحصول على خطاب ايديولوجي يدافع عن شرعية المواجهة والاستمرار، كما يساهم المد الطائفي المستمر من قبل إيران والميليشيات الشيعية العراقية واللبنانية التابعة لها في خروج الصراع عن محلّيته حتى في المناطق التي كانت في منأى عن النقاش الايديولوجي والسياسي، واستمرار خذلان المجتمع الدولي وحصار الثورة السورية يجعل النقاش السياسي في دائرة اليومي بالنسبة للمواطن السوري العادي والكتائب كافة التي تضطر للدخول ضمن التجاذبات الإقليمية والدولية مناورة أو رفضاً، لضمان الدعم الميداني في معركة قابلة للتحول إلى محرقة مطلقة عند فقدان الهواء الوحيد المهم في الحرب: السلاح.
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s