ثلاثة مناهج في استدعاء التراث

لا يعكس منهج استدعاء التراث موقفاً من التراث نفسه بقدر ما يسجّل موقفاً من الحاضر, حاضر المفكر وصراعاته, وموقع التيّار الذي يمثله من هذه الصراعات ومن السلطة السياسية أو الفكرية.
إن استدعاء واصل بن عطاء وابن رشد وأبي حيان و ابن عربي, من طرف
واستدعاء الغزالي والفخر الرازي والجويني أو ابن حزم وابن تيمية وابن القيم , من طرف آخر.
لا يعني تموضعَ كلّ فريق في سياق متسق في مقابل الآخر, بقدر ما يحيل إلى عملية إعادة تأويل و سبر و تقسيم حول إشكاليّات كلّ منهم لردّها إلى علل هي علل الحاضر لا التراث المستدعى, فالعقلانية و العلاقة مع حداثة الغرب في الراهن تطبّق على جدل العقل والنقل و العلاقة مع فلسفة اليونان في التاريخ, و الصراع الراهن بين الإسلاميين والعلمانيين يُحاول حلّه في رأي كلّ فريق من صراع ابن دؤاد وابن حنبل , أو ابن رشد والغزالي , أو أبي حيان و “كل عصره”.

يبحث الجابري عن العقلانية لدى ابن رشد, ويبحث أركون عن الأنسنة لدى مسكويه, ويبحث عزيز العظمة عن الإلحاد لدى أبي بكر الرازي, ويبحث عبدالرحمن بدوي عن الوجودية لدى التوحيدي, و يبحث هادي العلوي عن الثورة الشيوعية لدى القرامطة وثورة الزنج والحلاج وكل المهمّشين, وهكذا دواليك.

إن كلّ قراءة لا بدّ أن تكون ابنة وقتها وسياقها ومتفاعلة مع قضاياها الراهنة لا شكّ في ذلك, ولا بد من إعادة تأويل أي تراث وماضٍ واستيعابه ضمن أطر تأويلية و قضايا أوسع وأحدث ليعاد استدخاله واستعماله ضمن التداول الراهن, لكن الاعتراض هو على القراءة التي تلغي سياق المقروء في ذاته وعصره وفضائه الفكري والسياسي والاجتماعي, والتي قد لا تكون مشكلة كدعوة سياسية , ولكنها مشكلة حقيقية حين تكون بحثاً فكريّاً .

***

يمكن تمييز ثلاثة مناهج في استدعاء “التراث” في الفكر الإسلامي الحديث, مع التجوز والتوسع في استخدام الكلمة, لأن اعتبار أمر ما تراثيّاً قد لا يكون كذلك بالنسبة لمن يعيشه كحاضر, ومع عدم نفي التداخل والتقاطع بين هذه المناهج, ويمكن أن نأخذ الأشعرية كمثال توضيحي على ذلك, لنجد:

1. المنهج البحثي: والذي يُعنى بدراسة نشأة وتطور الكلام الأشعري داخل السياق المعرفي والتاريخي الإسلامي, ويبحث حول تفاصيل العلاقة مع المذاهب المختلفة أو مع السلطة والمجتمع, ويهتم بدراسة تمايزه كمنهج عن الفلسفة اليونانية أو عن فلسفات العصر الوسيط وما تلاها, كرد على الدعاية الاستشراقية ولتبيين وجود مناهج إسلامية “أصيلة” يمكن الاستفادة منها حتى الآن, ويمثل هذا المنهج خير تمثيل الدراسات المهمة للدكتور علي سامي النشار.

2. المنهج الاستئنافي: والذي يهمّه ممارسة عمليّة انتقاء وإعادة تأويل للاستشكالات والاستدلالات الأشعرية لاستدخالها ضمن الأفق الفلسفي والمعرفي المعاصر, كرؤية للوجود (انطولوجيا) وكنظرية في المعرفة (ابتسمولوجيا), ما زالت قادرة على الحوار وتقديم الحلول في أفق الفلسفة والعلم المعاصر, ويمثل هذا المنهج خير تمثيل -ولعله الوحيد إذ لم يُستأنف مشروعه- الشاعر والفيلسوف محمد إقبال.

3. المنهج الإحيائي: والذي يستعيد المدرسة الأشعرية كانتماء عقدي وكهوية, على المستوى الفكري والوجداني معاً, وكما كانت , لا باستشكالاتها واستدلالاتها وحسب, وإنما حتى في عدم تجاوز أفق المناظرة والجدل والخصومات التاريخية التي دخلت فيها, مع ابن تيمية أو المعتزلة أو غيرهم, ويمثل هذا المنهج خير تمثيل الشيخ سعيد فودة وتلامذته, مع كامل الاحترام والتقدير لهم.

ويمكن رؤية المناهج الثلاثة السابقة أيضاً في مقاربة الفكر الإسلامي المعاصر لابن تيمية وللفقه السياسي خاصة, وللتراث الفكري الإسلامي عامة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s