ألا إنما الإنسان غمدٌ لقلبه

ثمة نظرية تقول إن الوافدين على لغة ما من خارجها أقدر على تجديدها دلاليّاً أو إبداعيّاً من أهلها الذين يفقدون وعيهم بها باعتبارها -كما هي- هي وعيهم.

يمكن تذكّر ذلك -دون افتراضه- عند الكلام عن الفارسيين الذين وفدوا إلى الشعر والنثر العربي في أواخر القرن الأول والقرن الثاني خاصة, أي قبل أن يصبح للعربية ذاكرة شعبية عامة (أو قبل أن تصبح العربية هي الذاكرة) لدى الشعوب التي دخلت في الحضارة العربية الإسلامية مع الفتوحات , حتى أن شعوبيّاً يصرّح بكراهيته للعرب مثل بشار بن برد اعتُبر لدى النحويين آخر من يستشهد بشعره نحويّاً, أو كما نقرأ اللغة الفاتنة بانسيابها المترف الأنيق لدى سهل بن هارون أو مستشاري المأمون الفضل بن سهل و الحسن بن سهل, أو حتى لدى البرامكة (الفضل بن يحيى خاصة) ولدى آل طاهر حكام خراسان الذين اقتربوا من الاستقلال بها عن الخلافة العباسية.

تذكرت هذا الآن وأنا أقرأ في أمالي الزجاج, حين توقفت مدهشاً بِحيرة تامة لدى نصف البيت العميق والأنيق كهاوية لعبدالله بن طاهر, وهو يقول بعبقرية شفيفة:

ألا إنما الإنسان غمدٌ لقلبه ..

لا أحد كان أصدق ولا أقسى من الأمير, لسنا سوى هوامش ملحقة بقلوبنا الخناجر, نمشي على وتر الحياة الدقيق -والطويل أكثر مما ينبغي- مطعونين دوماً بالنصل الذي لا وجود لنا أساساً سواه, ناقصون في دروب من ضباب ونسعى لاهثين لنكمل الحكاية بقلوبنا التي كانت هي علة النقص الوحيدة للحكايات التي خلقتْها, ولسنا في الحقيقة سوى الطعنة التي نصرخ منها, لسنا سوى ذاكرة النزيف , نازفون دوماً ونمضي واثقين على وتر الوجود المرتبك لأن لا خيار أمامنا عدا هذا النزيف سوى الموت .. سوى الفناء.

الليل كثير
وأحبك

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s