عن الاحتفاء بالاستشراق

اعتدنا في ثقافتنا العربية المعاصرة الاحتفال باحتفاء المستشرقين بعبقرية أفراد من التراث العلمي والفكري الإسلامي, مثل ابن خلدون أو الشافعي أو ابن رشد.

وهنا ثمة مفارقة لا تخلو من طرافة, وهي أن احتفاء المستشرقين بالشافعي باعتباره “العبقري المحيّر” كما وصفه جوزيف شاخت مثلاً, أو بابن خلدون الذي ناله الوصف نفسه واحتفاء مضاعف من كثير من المستشرقين باعتباره كتب عملاً مفاجئاً ضمن سياقه, هو لتعرية السياق العلمي الإسلامي من إنجازه أو تراكميته, بحيث يبدو لغزاً محيّراً أن ينبغ فيه عبقري ما, ويهمّش هنا طابع التراكم والاتصال الذي يتكئ عليه هذا “العبقري” في إنجاز ما أنجزه, هنا يكون هذا “العبقري” الاستثناء الذي يؤكد القاعدة التي تقول إن هذا الموروث عقيم إلا من بعض الرجال. (الاحتفاء بابن رشد واضح في كونه ضمن سياق الحضارة الغربية كشارح لفلسفة أرسطو)

والمفارقة هي أننا نتناول هذا الاحتفاء بشكل معكوس, بحيث نستشهد بما يقال في هؤلاء لتأكيد غنى التراث العلمي والفكري الإسلامي.

هذه المفارقة تنبه لها الأستاذ وائل حلاق, وألّف أبحاثه المهمة والهائلة حقيقة في تطور التشريع الإسلامي وأصول الفقه, للرد على الدعاية الاستشراقية التي تصور الشافعي وكأنه منبتّ عن سياقه.

لا ينفصل المعرفي هنا عن السلطوي, ولكن بحث المعرفي والرد عليه يكون بأدواته, كبحث استقصائي وأكاديمي موضوعي, وليس بالاكتفاء بالتنويه إلى خبث المستشرقين عضويتهم في المؤامرة كما فعل الكثير ممن تولّوا مهمة “الرد الإسلامي” على دعاية الاستشراق.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s