عن تحولات تاريخية وجمود فكري

على هامش صراع الملك تشارلز مع البرلمان في انكلترا تطورت الفلسفة السياسية من توماس هوبز إلى جون لوك, وعلى هامش مظاهرات مايو 1968 الطلابية في باريس تطورت نظريات في دور المثقف والبنيوية والسيميائية وعلم الاجتماع, وكانت نشأة مدرسة فرانكفورت مرتبطة بشكل وثيق بصعود الفاشيات بعد الحرب العالمية الأولى ومحاولة تفهم ما حدث ونقد جذوره في فلسفة التنوير, كما يمكن قراءة نظريات الفقه السياسي الإسلامية من الماوردي إلى الجويني إلى ابن تيمية كمواكبة لاختلاف الواقع الاجتماعي-السياسي, ومحاولة ضبطه.

لا ينفصل التحول التاريخي عن التحول الفكري ونشأة نظريات وطرائق وأدوات جديدة في التعامل مع الواقع المستجدّ, لا علاقة لذلك بأن التحول الفكري هو ما يؤسس للتحول التاريخي, وإنما الأمر هنا بالمقلوب, حيث يجي على التحول الفكري أن يقوم لأن مهمة المثقف وواجبه أن يتفاعل مع التحول التاريخي فكريّاً وفلسفيّاً, لا عبر محض تفاعل سياسي أو قيمي على ضرورته, وإلّا فقد هذا الفكر معنى وجوده أساساً.

اعتدنا منذ الغرق في الخطابية الايديولوجية مع عبدالناصر والذي لم نتحرر منه حتى اليوم, أن نقصر التفاعل مع الواقع على الموقف في المعركة على طريقة الـ مع أو ضد, والنظرو الدونية نحو أي طريقة للتفاعل تخرج عن هذا النطاق وتحاول استنطاق المسكوت عنه والبحث في الجذور, أو تأسيس مناهج وفلسفة لواقع فكري موازٍ أو مستبق أو مؤسس للواقع الاجتماعي والسياسي.

على هذا نرى أن ظواهر معقدة وكبرى مثل السلفية الجهادية والثورات العربية والفاشية الشعبية في مصر -هي أهم بكثير من مظاهرات مايو 1968 على الأقل !- يتم اختزال التفاعل معها حتى من قبل الباحثين والمفكرين عبر الموقف الايديولوجي المبسط, لاستيعابها ضمن القوالب التفسيرية القديمة نفسها, ويتم ذلك حتى على مستوى التأسيس للمستقبل السياسي والذي ينطلق من نماذج نظرية مسبقة ليست ضمن الزمن الحاضر-من قبل الإسلاميين والعلمانيين على السواء- ولا يحاول تفهم الواقع وصراعاته وتوازناته والانطلاق من إشكالياته الراهنة الملحة.

وهذا ينبغي التحرر منه, حتى لا نستدخل فكريّاً ضمن المرحلة القديمة التي تحاول الممالك العربية أن تعيد استدخال المنطقة فيها سياسيّاً, وهذا لا يكون بانتظار أن يهتم الفضاء العام بهذا المستوى من التفاعل والتأسيس والتنظير, وإنما بأن يعي المعنيّون أنفسهم أن مهمة الفكر أن يشتبك مع الواقع فكريّاً, دون أن يلغي ذلك الاشتباك معه أخلاقيّاً وسياسيّاً حين يكون هذا الاشتباك واجباً بحكم انتمائه للأمة وقضاياها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s