خيط ناظم للغياب

بعدما ألف تاريخه كتب ابن خلدون (المقدمة) لا قبله, ذكرني ذلك -على غير سبب واضح- بالرواية الأشهر عن الحرب الأهلية الأمريكية (ذهب مع الريح), والتي كتبت مارغريت ميتشل فصولها على سرير المرض بمعزل عن تسلسلها نفسه في الرواية (تكتب الفصل التاسع قبل شهر من الفصل الخامس مثلاً), ماتت مارغريت , كما مات الإمام ابن عبد ربه صاحب “العقد” الذي أضافوا إلى اسمه بعد موته صفة الفريد فصار اسمه (العقد الفريد), كذلك كوميديا دانتي التي أضافوا إليها صفة الإلهية (بمعنى المقدسة) يصبح اسمها المعروف (الكوميديا الإلهية) بعد موته غريباً في المنفى, كما مات الحالم الرومنتيكي جان جاك روسو في أسفاره بالمنفى وحيداً غريباً إلا من فرسه, تماماً مثل مالك بن الريب, أو مثل ابن زريق الذي لم يكن له فرس غير الذكريات, كذلك أحس أبو حيان بغربته أينما حلّ, أصبحت الغربة وطنه, لأن الغربة كانت -ولم تزل- في القلب لا في الترب, التوحيدي أراد لاغترابه عن الوجود أن ينتقل للكتابة التي تنتقم من هذه الغربة, أراد للكتابة أن تغترب عنه أيضاً وإن كان ذلك بتهكمه المر, لم يكتف بتأليف كتب بأكملها بغير اسمه (الرسالة البغدادية) وإنما بتضمين كتبه نفسها رسائل من محض خياله باسم غيره, رسائل النكاية وطعن الخصوم (مثالب الوزيرين), وبالتهكم النزق نفسه أحرق كتبه في الهواء بعد أن أحرقته الغربة في ذاته, أراد القول إن عبور الغريب مهما تحايل على الدرب يمضي نحو الفناء, كما كان عبور امرئ القيس في دروب الثأر الصعب والغربة الموحشة نحو حلّة قيصر, ولكن التوحيدي عاش بعد ذلك عشر سنين, لم يحترق بالمكتبة, ولم تسقط عليه كما سقطت على الجاحظ, ماذا لو أن المكتبة سقطت على الجاحظ قبل ذلك, حين كان يبيع السمك صباحاً ليجلس في مكتبات الوراقين في الليل, ماذا لو أن (البيان والتبيين) لم يُكتب, ماذا لو أن أحداً لم يمسك قلماً ليكتب عن النفري (المواقف والمخاطبات) حين كان يقوم ويهذي في الليل, ماذا لو أصاب العمى الأصفر بورخس قبل أن يقرأ (ألف ليلة وليلة) وقبل أن يكتب (الألف), وماذا لو لم يكن معي صوتك فوق ذاك السحاب .. أو فوق ذاك الركام .. أو فوق ذاك الدم, ولكن الألف كما يخبرنا بورخس نفسه نقطة عبور تتلاشى في النهاية نحو حدث في الذاكرة.

ولكن ما معنى كل هذا؟

ثمة دوماً ما لم يكتمل, ثمة خيط ناظم للغياب, ذلك الظل المرعب ليمين ابن مقلة المبتورة التي لم تزل تكتب, ولتلك القلوب المبتورة التي لم تزل تحب, ولتلك الأجساد التي تلاشت في اليباب بينما تركت حكاياتها في العالم, في الصدى الذي يعيد الشمس إلى السماء التي ملّتها, مثلما ملّها من قبل المعرّي, كلّ يوم… كلّ يوم.

***

هذا أكمل نص عن الغربة كتبه التوحيدي, من الإشارات الإلهية:

و قد قيل : الغريب مَنْ جَفاه الحبيب .
و أنا أقول : بل الغريب من واصله الحبيب ، بل الغريب من تغافل عنه الرقيب ، بل الغريب من حاباه الشريب ، بل الغريب مَنْ نودي مِنْ قريب ، بل الغريب من هو في غربته غريب ، بل الغريب من ليس لـه نسيب ، بل الغريب من ليس لـه من الحق نصيب ..

فإن كان هذا صحيحاً، فتعال حتى نبكي على حال أحدثت هذه الغفْوة، وأورثت هذه الجَفْوة :
لعَّل انحدارَ الدَّمْعِ يُعْقِبُ راحةً
من الوَجْد أوْ يَشْفِي نَجِيَّ البلابل

يا هذا ! الغريب من غَرُبَتْ شمس جماله ، واغترب عن حبيبه وعُذّاله ، و أغرَبَ في أقواله و أفعاله، و غرَّب في إدباره وإقباله، و استغرب في طِمْره وسِرْباله.
يا هذا ! الغريب من نطق وصفه بالمحنة بعد المحنة ، و دلَّ عنوانه على الفتنة عُقَيْب الفتنة ، و بانت حقيقته فيه الفينة حدّ الفينة .
الغريب من إن رأيتَه لم تعرفه، وإن لم تره لم تستعرفه .
الغريب من إن حضر كان غائباً، وإن غاب كان حاضراً.

أما سمعت القائل حين قال :
بِمَ التعلُّل؟ لا أهل ولا وطن
ولا نديم ولا كأسٌ ولا سَكَنُ
هذا وصف رجل لحقته الغربة ، فتمنّى أهلاً يأنس بهم ، و وطناً يأوي إليه ، و نديماً يحلّ عُقَدَ سِرّهِ معَهُ ، و كأساً ينتشي منها ، و سَكَناً يتوادعُ عنده .

فأمّا وصفُ الغريب الذي اكتنفته الأحزان من كل جانب، واشتملت عليه الأشجان من كل حاضر وغائب، وتحكّمت فيه الأيام من كلِّ جاءٍ وذاهب ، واستغرقته الحسرات على كل فائت وآئب، وشَتّتَهُ الزمان والمكان بين كل ثقة ورائب ، و في الجملة أتت عليه أحكام المصائب والنوائب، و حطتّه بأيدي العواتب عن المراتب ، فوصفٌ يحفى دونه القلم، و يفنى من ورائه القرطاس ، و يَشِلّ عن بَجْسِه اللفظ ، لأنه وصف الغريب الذي لا اسم لـه فيُذْكَر ، و لا رسم لـه فيُشْهَر ، و لا طيَّ لـه فيُنْشَر ، و لا عُذْر لـه فيُعْذَر، و لا ذنب لـه فيُغْفَر ، و لا عيب عنده فَيُستَر .
هذا غريب لم يتزحزح عن مَسقِط راسه ، و لم يتزعزع عن مَهَبِّ أنفاسه .

و أغرب الغرباء من صار غريباً في وطنه، وأبعد البعداء من كان بعيداً في محل قُرْبه، لأنّ غاية المجهود أنْ يسلو عن الموجود، و يُغْمِضَ عن المشهود ، و يُقْصَى عن المعهود ، لِيَجِدَ مَنْ يُغنيه عن هذا كلَّه بعطاءٍ ممدود ، و رِفْدٍ مرفود ، و رُكنٍ موطود ، و حَدٍّ غير محدود ..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s