عن علمنة الدين لدى الفقهاء

جدل محموم في السعودية بعد إقرار مادة الرياضة لمدارس البنات من قبل مجلس الشورى, ما بين من يعتبر الأمر بداية للتغريب, أو يؤصل له باعتباره من خطوات الشيطان, ومن يعتبر التحجج بـ “الضوابط الشرعية” لممارسة الرياضة تمييعاً للدين.

ثمة مشكلة في اعتبار الفقيه قادراً أو مسؤولاً عن الإجابة على مسائل الحياة كافة, هذه حالة تتعامل مع الإسلام ككتاب أسرار مغلق, ومع وجود الإسلام في الحياة كخيط رفيع يوشك أن ينقطع ونسقط عنه ونخرج عن الدين في أي لحظة ودون أن ندري ما لم نستفتِ أصحاب السر في كل صغيرة وكبيرة.

وما يغذّي هذه الحالة ليس حرص الفقهاء على أفكارهم بالضرورة, بل حرصهم على سلطة الأفكار, ففي حالة السعودية لا يمكن قراءة هذا الجدل باعتباره حالة نقاش فقهي فعلاً (إذ أكبر مراجع التيار الرافض للقرار وأعني الشيخ ابن باز له فتوى تنص على إباحة الرياضة للنساء ما دامت ضمن الضوابط), إنه صراع يتداخل فيه الاجتماعي بالسياسي بالفكري, ويخفي صراعاً أعمق في من هو المسؤول عن إصدار القوانين, صراع امتيازات بدأت تشعر المؤسسة السلفية التقليدية هناك أنها تهمّش فيه شيئاً فشيئاً.

هذه الحالة العصاببية والإحساس بأن الدين مهدد بوجوده في الحياة, وأننا أيضاً مهددون بوجودنا في الدين, لا علاقة لها بمستوى التدين في المجتمع, ولا بالحرص على الفقه, بل هي حالة مرضية تبدأ من مشكلة الفهم للفقه نفسه, وتؤول إلى تعطيل الدين, والانفصال عن الحياة.

 ***
منذ مدة قرأت لأحد الشرعيين المقربين من القاعدة تغريدات يتكلم فيها عن حرصهم على اللقاء بالمثقفين, وأنهم يراعون مستوى المثقفين في دعوتهم وتبيين أحكام الديمقراطية والأفكار الغربية لهم.

المفارقة هنا, هي أن سلطة الانفتاح والتسامح أكبر من سلطة المقاطعة, إذ “المثقف” هنا وهو غير المشتغل بالعلوم الشرعية في هذا التعريف, هو أيضاً تلميذ وموضوع لسلطة الفقيه, لا في أحكام الشرع فقط, بل في المسائل التي يشتغل بها هذا المثقف نفسه.

لا مشكلة في أن يجلس الفقيه مع المثقف ليعلّمه, ولكن ليتعلّم منه أيضاً, خاصة في مسائل الديمقراطية أو الحداثة أو الفلسفة التي لا يعرف عنها هذا الفقيه غير تعميمات مختزلة ومسرحية في كثير منها.

والمشكلة هنا ليست في الموقف الرافض للديمقراطية مثلاً, بل في أساس هذا الرفض, وهذا يشبه موقف علماء الإسلام الأول من المنطق, إن أخذنا بتقسيم ابن حزم لهم إلى أربع فرق, أو إن قارنا بين شخصيتين كلاهما رفض هذا المنطق وتدريسه: أحدهما ابن الصلاح الذي اكتفى بالقول بتحريمه وكونه يؤول إلى الابتداع والأهواء, وما بين ابن تيمية الذي ألف أهم وأضخم كتاب في نقد المنطق اليوناني بالتفصيل, وما زالت له قيمته الفلسفية حتى الآن.

التعامل مع الفقه (أو العلوم الشرعية و”التراثية” بعامة) باعتباره أنجز تراكمه وانتهى وأُغلق على نفسه, وأضحى غريباً عن عصره العلمي باستشكالاته أو استدلالاته, هو فرع من التعامل مع الدين باعتباره غريباً عن الحياة, كلا النظرتين تكرّس هذه القطيعة, وكلاهما علمنة للدين.

***

سلوك بعض “الإسلاميين” في الحيز الاقتصادي يدل على عملية علمنة عميقة ومسكوت عنها, ما بين الالتزام المطلق بمظهر المسلم التقي والتحيزات الإسلامية السياسية, و القدرة على التلاعب والاحتيال اللاأخلاقي في معركة المال, أحياناً يكون ذلك بحجة يسوقها لنفسه بكفرية القوانين وعدم التزامه بها, و أحياناً يكون كل ما في الأمر تحييداً نفسيّاً ما بين مجال الدين ومجال العمل, التبرير أمام النفس لا يلغي شعورها بالخطأ, ولكنه يدلّ على خطأ ما أتاح لهذا التبرير أن يكون ممكناً.

ما لا شك فيه أن من لم يعلمه دينه الرجولة والمروءة والأمانة وأن المال الحرام كالدم الحرام فلم يتعلم منه الصلاة والصيام حقّاً.

ولكن ما لا شكّ فيه أيضاً , أن جذور هذه المسألة لا تقف عند الأخلاق و التربية الشخصية بل تتعدّاها لقصور التنظير الإسلامي في مجالات الحياة العامة ,و لتفشي التعامل المادي الرقمي المجرد عن بعده الأخلاقي والروحاني مع الدعوة (عدد الحسنات) أو العمل السياسي, ما يرسخ لدى البعض قطيعة قيمية وهمية (يتبعها قطيعة وجدانية وسلوكية حقيقية) ما بين الإسلام كدين و الحياة الدنيا, قطيعة لا تُعالج بالتربية وحدها, وإن كان نقص التربية سبباً أساسيّاً في بروز هذه الظواهر المريضة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s