عهود الصلح في التاريخ الإسلامي

اعتدنا في التأريخ لتوسع الدولة الإسلامية لتتحول إلى العالمية, في زمن عمر بن الخطاب خاصة, التركيز على الفتوحات في بعدها العسكري, دون العهود.
تمثل العهود ممارسة الحرب كسياسة, والاستدخال القانوني للبلدان المفتوحة في الدولة والذي يعني خضوعها الميداني, وهي بذلك تمثل توسع الدولة كدولة, مع تسجيل أنه رغم أن معظم هذه العهود كانت لبلاد فُتحت صلحاً دون قتال, إلا أن هناك عهوداً كانت بعد قتال أو حصار, أو حتى بعد فتح أجزاء منها عنوة.
وتبلغ العهود المدونة حوالي ثلاثين عهد صلح, تتضمن ما تلتزم به الدولة الإسلامية تجاه البلدان المفتوحة, وما يلتزم به أهالي تلك البلاد تجاه الدولة, ولم تكن تلك العهود مجرد اتفاقات اعتباطية حربية, بقدر ما كانت ممارسة قانونية ملزمة ودقيقة شكلاً ومضموناً.
ونلاحظ هنا أن شرط الجزية (أو الجزاء حسب تعبير بعض العقود), كان يحدّد تحديداً دقيقاً غالباً, ولم يكن يقتصر على المال, فقد نصّ عهد النوبة والسغد على تقديم عدد من الرقيق كل عام أيضاً, كما أن عهوداً عدة نصت على سقوط الجزية عن البلد حين يشارك أهله في القتال مع المسلمين (كما في عهود أرمينية وأذربيجان وجرجان).

ومع ما يبدو من نقص الدراسات في هذا المجال عربياً, إلا أنه أحد المجالات التي تناولها المستشرقون كثيراً كغيرها من المسائل التي لم نبحثها, ولعلّ العمدة في ذلك ما كتبه المستشرق الألماني “ألبرخت نوت” الذي ألف كتاباً مفرداً في المسألة.

ورغم منهجية المستشرقين السابقة على من بحث ذات المسائل من المسلمين, إلا أن حياديتهم تجاه هذه الحضارة, وعدم تقديرهم لقيم حاضرة لدى طبقة العلماء فيها خاصة, يوقعهم في استنتاجات تبدو اعتباطاً وتناقضاً, من مثل اعتبار ألبرخت نوت نفسه أن القصة المشهورة عن امتناع عمر بن الخطاب عن قسمة أرض السواد ليبقى خراجها للمسلمين, إنما هي من وضع فقهاء العراق (عامر الشعبي, الحسن البصري, إبراهيم النخعي, ماهان) الذين كانوا خصوماً للحجاج وهم رواة الحديث, فأرادوا من وضع هذا الحديث تقليص سلطة الدولة, وهذا بالنظر إلى أن هؤلاء كانوا ضمن ثورة القراء, وهذا التأويل السياسي المبالغ به يغفل تحري الصدق المبالغ به في رواية الأحاديث وإسنادها لدى طبقة الفقهاء خاصة, وعدم استباحتها الكذب في نفسها, لا على لسان الصحابة.

ولا تعتبر دراسة هذه العقود تابعة للتوسع العسكري للدولة فقط بمعزل عن النظام الاقتصادي, وهو المحور الأهم هنا, ولعل دراسات الدكتور عبدالعزيز الدوري -رحمه الله- في النظم الإسلامية قد قطعت مساحات خصبة في هذا البحث, وفتحت باباً واسعاً للباحثين بعده.

وختاماً, فإننا مقصرون تجاه التاريخ, وهذا جزء من تقصيرنا تجاه الحاضر, أو من قصورنا تجاه وجودنا نفسه.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s