غياب الشاعر السوري

من أسباب (ونتائج) ضعف الهوية الوطنية السورية عدم وجود شاعر كبير مجمع عليه ويصوغ هذه الجماعة المتخيلة بأدبه المتداول فيما بينها, كما كان لدى العراق الجواهري أو بدر شاكر السياب أو عبدالرزاق عبدالواحد, أو كما كان محمود درويش في فلسطين.

لا شك أنه كان في سوريا قامات شعرية أثرت على الأدب العربي: أولهما نزار الذي كان دمشقيا أكثر مما كان سورياً, وبدوي الجبل الذي لم تسمح له علويته بالتحول إلى رمز وطني رغم كونه فامة شعرية عالية ورغم أن شعره كان يؤكد على هذه الهوية العامة في مواجهة المستعمر, أما عمر أبو ريشة فلم يشغل التعبير عن هذه الهوية مساحة ظاهرة من شعره.
والحاجة إلى أدب يعيد تعريف الجغرافيا ومن عليها ليست خاصة عربية, باعتبار الشعر ديوان العرب, غوته سابق على هتلر في تعريف الألماني لنفسه وفهمه لتاريخه, وتولستوي وديستويفكي وبوشكين أبقى من لينين.

ولعلّ هذا الصراع بين السياسي والأدبي (أو الثقافي) في تعريف جماعة ما لنفسها, دائم عبر التاريخ, وحسم الهوية تجاه أحدهما بتهميش الآخر يترافق إما مع مرحلة شمولية طاغية (كما في عهد هتلر أو ستالين) أو مع مرحلة انسحاب من العالم (كما في الشعر الصوفي).

وهذا لا يعني أن هذه الهوية الوطنية السورية كان يمكن لها أن توجد بمجرد وجود هذا الشاعر, فعدم حضورها في تجارب الشعراء هو دليل على تجذر المشكلة في طائفية المجتمعات الموجودة على هذه الأرض وعدم اتفاق أقلياتها على أن تشترك في تاريخها مع الأكثرية السائدة, ولا في تجربة تحرر مشتركة تعيد تعريف هذه الهوية.

وقبل ذلك فإن المشكلة قائمة في اللغة, أساس المشكلة في اللغة, من يفتح ديوان شعر أو كتاب تاريخ فسيجد اسم مصر والعراق وفلسطين, ولكنه قطعاً لن يجد اسم سوريا في الأصول التي تنتج معرفته, أن تكون كياناً محدثاً في اللغة يهدد شرعيتك أكثر من أن تكون كياناً محدثاً في الجغرافيا أو التاريخ أو المعرفة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s