عن ابن رشد والسوق الرمزية

في العقيدة، لا تختلف كثيراً المسائل التي اعتبرها ابن تيمية ابتداعاً أو تؤول إلى كفر لدى الأشاعرة والمعتزلة عن المسائل التي اعتبرها ابن رشد كذلك كفراً لديهم.
على المستوى السياسي، فرغم قرار نفي ابن رشد لسنتين وإحراق كتبه من قبل المنصور يعقوب خليفة الموحّدين، فإن ابن رشد كان مقرّباً من الدولة الموحّدية، وتتسق نظريته المعرفية مع الايديولوجيا الحاكمة، خاصة بالنسبة لمسائل العقيدة، وهذا لا يقدح فيه.
بالمقابل فإن ابن تيمية عانى من قمع السلطتين اللتين أخلص وتفانى في محاولة تصحيحهما حسب ما يراه، السلطة الدينية كما تمثلت بالتيار الشافعي الأشعري أو الحنفي الماتريدي والتي كانت السبب في أول اعتقال لابن تيمية، لأنه اجتهد في فتوى معلقة بالزواج على غير الرأي السائد، والسلطة الثانية هي السلطة السياسية سواء كانوا المماليك أم التتار، ولا مجال للإطالة بعدد المرات التي سُجن فيه ا ابن تيمية بسبب رأيه، عدا عن مشاركته في الحرب.

ورث الأوروبيون ابن رشد، وأعطوه زخم الاهتمام والمشروعية التجديدية، حتى لدى الباحثين العرب الذين اهتمّوا به لهذا السبب، لأنه يحيل إلى جماعة هي الحاملة للعقلانية الاوروبية الغالبة.
أما ابن تيمية فقد ورثته بشكل رئيس المدرسة السلفية الوهّابية، التي مثلت الرد الهوياتي النقيض للجماعة الأولى.

يختلف ابن تيمية عن ابن رشد في الموقف من المنطق الأرسطي، ويتفق معه في الموقف من العقيدة، وتختلف الجماعة الحاملة للرأسمال الرمزي لكل من الاسمين، نتيجة اهتمام الأوروبيين بموقف الثاني من أرسطو واهتمام السلفيين بموقف الأول من العقيدة.

ولكن هذا الاتفاق في العقيدة يستحيل اختلافاً في النظرة لجهد كل منهما في هذه المسألة بالذات، لاختلاف الجماعة الممثلة للاسمين، فابن تيمية سيعتبر، من قبل التنويريين العرب الذين يستمدون مشروعيتهم من كونهم امتدادا للتفوق الاوروبي، مؤسس سلطة تكفيرية إقصائية محاربة للجهد العقلاني في تأويل العقيدة وتريد استخدام الدين في السلطة (بناء على سلوك الوهابية)، بينما سيعتبر موقف ابن رشد المشابه سعياً لإبعاد الدين عن التأويلات التي تشوّهه وجهداً في تحرير الدين من هيمنة السلطة.

ثمة سوق رمزية، تعيد تأويل التاريخ باستمرار لتستدخله ضمن منظومة صراعاتها الراهنة، وهذه محاولة في تتبع حركية ومنطق هذه العملية.

***

كباحثين عرب مسلمين في الزمن الراهن, فما الذي نحتاجه من ابن رشد؟, إنه قطعاً ليس ابن رشد الأوروبي الذي ألف الشروح والمختصرات على أرسطو, بقدر ما هو ابن رشد القاضي الفقيه الذي كتب “بداية المجتهد ونهاية المقتصد” و “الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة”, حيث قدم في الأول وثيقة قضائية عن نمط الفتاوى والمسائل التي طُرحت في زمانه ومنهجاً مدرسياً ذكيّاً وجامعاً في الفقه والفقه المقارن, وقدم في الثاني تصوّراً للعقيدة وحلّاً لإشكالياتها خارج إطار التأويل المعتزلي والأشعري وقدم فيه إمكانية سلفية ظاهرية سابقة على المنظومة التيمية أو الخطاب الوهّابي.

ابن رشد هنا حلقة مفهومة ومميزة في المدرسة الفقهية والأصولية المتراكمة والمتصلة, وهذا ما يحقق الاستفادة منه ويوفيه حقّه التجديدي, بديلاً عن التعامل معه باعتباره العبقريّ المحيّر ودليل شرعيتنا المعرفية غربيّاً, خاصة لأنها عبقرية في مجال أرسطي غريب لم يعد مجدياً -على فرض أنه كان- أو حاملاً لإمكانات نظر معرفي الآن.

لاحظوا أننا ما زلنا نقرأ المعري لأنه من سبق دانتي إلى الجحيم فقط, هذا يشبه المونديال, لكنه لا يشبه البحث.

***

ما نقمه ابن رشد على الغزالي ودفعه للرد عليه أمر سابق على أخذه أقوال ابن سينا وتعميمها لتكون مذهب المشائين، ابن رشد اعتبر أن مشكلة الغزالي الأساس هي في “مقاصد الفلاسفة” قبل “تهافت الفلاسفة”، لقد كانت نشر الحكمة للناس، وانتشار النقاشات الكلامية والتأويلية بين العامة الذين يجب أن يُحجبوا عن هذه النقاشات والعلوم لأفهامهم القاصرة، الغزالي كان يحمل ذات نزعة “المضنون به على غير أهله” لكنها تقتصر على مستوى عرفاني يتعلق بتجربة الصوفي الوجدانية الذاتية، ولا تمتد إلى الأساس المعرفي العام الذي عمل الغزالي على نشره، سواء كان في المجال الفلسفي أو الكلامي أو الفقهي الأصولي.
ما يجب التنبه إليه هنا، عدا عن أن الحكيم العبقري حقّاً والذي يُنسب إليه فضل في زعزعة سلطة الاكليروس الكنسي وقيوده على المعرفة، قد كان يؤمن بأن الحكمة ينبغي أن تقتصر على نخبة مغلقة فعلاً تحمل سلطة المعرفة والتأويل وتمنع العامة الجهلاء من التطاول نحوها،
فإن ما ينبغي التنبه إليه عدا عن ذلك هو أن عكس منظور الجابري ليكون ابن رشد سبب النكسة والغزالي رمز النهضة ليس هو المطلوب أيضاً، أعني على المستوى البحثي أما التفضيل اللاحق فطبيعي ، إذ إن خطأ الجابري الأساس في منطلقاته الايديولوجية قبل خلاصاته المعرفية الطابع، حيث أصبح التاريخ محض صورة لصراعات الحاضر،وهذا مشاهد لدى القراءات المتأخرة للجابري والتي أخذت ثنائياته إلى أقصاها لتصبح في النهاية على النقيض التام من هدف الجابري المعلن الأول وهو : جعل التراث معاصراً لنفسه ثم جعله معاصراً لنا.

وللخروج من ذلك علينا أن نتوقع هذه البديهية البسيطة، وهي أن هؤلاء الذين نقرأ عنهم في الكتب لم يكونوا يتوقعون أننا هكذا الآن وهنا.

***

أول (أو ثاني) كتاب ألفه ابن رشد كان “الضروري في أصول الفقه”, ألفه كتلخيص لكتاب “المستصفى في أصول الفقه” لأبي حامد الغزالي, كتبه وعمره 32 عاماً, ثمة قطائع نلصقها نحن بالتاريخ.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s