عن النهائي بين الأرجنتين وألمانيا

كان الكاتب الأرجنتيني العبقري خورخي لويس بورخيس يكره كرة القدم, الأمر أبعد من أن يكون موقف أعمى لا يمكنه مشاهدة المباريات فيقول إنه لا يبالي على مبدأ من لا يصل الحصرم, فقد كان هذا الأعمى نفسه يزور السينما باستمرار, ولكنه كان يقول إن منطق تشجيع كرة القدم هو ذاته منطق تأييد المنظومات الشمولية, والنزعة الفاشية المصفقة للزعماء, والتي تعتمد على ثنائية الأنا والعدو لا غير.
التعامل السياسي بمنطق تشجيع كرة القدم هو أهون بطبيعة الحال مما هو أكثر شيوعاً لدينا, وهو التعامل مع الأفكار بمنطق تشجيع كرة القدم, باعتبارها فكرتنا أم فكرة الأعداء, التراث أم التغريب, العقيدة أم الفلسفة, … الخ.

هذا لا يفترق عن التسييس أيضاً, والذي يستدعي النزعة المانوية الاثنينية لتكون المنطق الحاكم والوحيد بالنسبة لموضوع السلطة (المواطن), وكان طه عبدالرحمن سابقاً في تشبيه خطاب المحافظين الجدد بكونه شكلاً من المانوية المحدثة, هذه المانوية التي نجدها في خطابات المنظومات الشمولية كافة, سواء في ذلك المحافظون الجدد أو الشيوعيون أو النازية الألمانية أو الداعشية المشرقية.

لدى سؤال لماذا لا نفصل الثقافة عن السياسة, يأتي جواب بدهي لدى أي مثقف معتقل أو مضيّق عليه: لماذا لم تفصل السياسة نفسها عن الثقافة؟
يعتبر غرامشي هنا أن كل ما هو ثقافي فهو سياسي, إدوارد سعيد يأخذ المسألة من منظور آخر ليقول إن مهمة المثقف في الأساس في نقد السائد ومجابهة السلطة, المثقف إذن هو سياسي بالضرورة, هذا النمط من التعميمات يصلح للحشد والتعبئة ويمتلك قدرة تفسيرية عالية أيضاً, خاصة في ظروف النضال, ولكنه يشجع على الاستنتاجات السهلة, والتعامل مع الثقافة بمنطق الشعارات.

بالعودة إلى الأفكار, فهذا التسييس السائد هو ما يفسر لماذا تكون دعوات تقييد نشر الكتب وقراءتها هي ممن لا يقرؤون غالباً.
وبالعودة إلى بورخيس فبعد أن أصابه العمى وعيّن أميناً عاما للمكتبة الوطنية في بيونس ايرس لم يكن يمكنه أن يقرأ أيضاً, ولذلك كان يطلب دوماً من يقرأ له, أحد من قرأ لبورخيس كان “ألبرتو مانغويل” الذي ألف فيما بعد الكتاب الأكثر شهرة عن القراءة “تاريخ القراءة”.

القراءة للضرير ليست نادرة في تاريخ المعرفة, ثمة مئات من العلماء والأدباء في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية من العميان الذين كان يُقرأ لهم, ليؤلّفوا ما تقرؤه أمم بعدهم, سواء تكلمنا هنا عن بشار بن برد أو المعري أو طه حسين أو عدد من قراء القرآن أو مدرّسي الأزهر أو حتى مفتي السعودية الذين اعتدنا أن نتناول عماهم كتندّر, متناسين أن تحصيل ذاكرة وحافظة هو أمر يستحق التقدير المعرفي, لا الشفقة الإنسانية, هذا رغم الاختلاف الكبير معهم.

التندر من الأعمى ليس أمراً نادراً أو مستهجناً في الثقافات عامة, ولنا في ذلك سند من أستاذنا الجاحظ الذي ألف في أخبار “العرجان والعميان والبرصان”, يعتمد الضحك على مأساة الكائن الإنساني وحالات ضعفه, والملهاة تولد من رحم المأساة, وحتى العبور بالجحيم يمكن أن ندعوه “كوميديا” كما فعل دانتي, كتب في ذلك غاستون باشلار, تحليلاً نفسيا عميقاً وطريفاً.

بالعودة إلى بورخيس مرة أخرى, فما أردت قوله, إنه رغم كراهية بورخيس لكرة القدم, إلا أن عنجهية الألمان التي لم تنكسر, كشعب يملك أكثر من أي شعب أوروبي آخر أسباب الكبرياء القومي, سواء نظرنا للفلسفة أو اللغة أو الموسيقى أو الأدب أو حتى الصناعة, يبقى البنيان الألماني هو الأكثر صلابة وتماسكاً واكتمالاً.

ولكننا معشر “المعذبين في الأرض” كما يسمينا فرانز فانون, أو الغرباء عن عرش العالم ترداداً مع امرئ القيس وهو ينادي في الليل “وكل غريب للغريب نسيبُ”, وبما أننا لم نسقط عروشنا بعد, فعلينا أن نتضامن مع سقوط عروش الكبار, حتى لو كانت في كرة القدم, فهذه الكرة تشغل رؤوس الملايين, ومن حق محللي الاقتصاد الكبار أن يخبرونا عن رأسمالية الارجنتين أيضاً بعد المباراة, ولكن لأجل كل هذا ووفاءً لبورخيس, فأنا أرجو للأرجنتن أن تفوز اليوم, وتمرّغ كبرياء طويلي القامة العابسين أولئك.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s