تطبيق الشريعة شعار مضلّل

أكثر الشعارات تضليلاً في زمننا الراهن هو “تطبيق الشريعة”, بما يحمل من طاقة حشد وجدانية للشباب المتحمس.
لم يفحص أحد القوانين القائمة ومدى ما فيها من الشريعة أو مخالفتها, ولا هو يتخيل قوانين تفصيلية واضحة, التخيل كله منصب على أن ثمة واقعاً شركيا وقوانين وضعية ونحن سنحكّم إرادة الله ونطبق الشريعة ونعيد الزمن المقدس.

رمزية الشريعة قادرة على الحشد, لكن التجلي العملي لا علاقة له بهذه الرمزية, وإنما بمن سيطبق الشريعة, أي بمن سيمتلك السلطة.

ليس ثمة نزاع بين الإسلاميين, أو بين المجتمعات عامة, حول مرجعية الشريعة الإسلامية القانونية, هذا يقر به حتى علمانيون معتدلون مثل برهان غليون وعزمي بشارة, النزاع هو حول أي شريعة؟ وحول من سيطبقها ؟

شعار تطبيق الشريعة خادع لأن من يرفعه لا يعي تنوع الشرائع والمذاهب والآراء الهائل في هذه الشريعة, وهو مضلل لأنه يختزل الشريعة ببعدها الفقهي, ويختزل الفقه ببعده القانوني, ويختزل القانوني ببعده الجنائي, ويختزل الجنائي بالحدود وبعقوبات تشبه الحدود.

إن جوهر المشكلة هنا , أو الكارثة بالأحرى, هو الخلط الدائم ما بين ما تحرمه الشريعة, وما تمنعه الدولة, وتوهم أن الأمرين متطابقان.

وعادة ما يحيل شعار “تطبيق الشريعة” إلى المفهوم السلفي الجهادي المعاصر عن هذا التطبيق, أو التجربة الطالبانية له, دون وعي لمستويات التشريع وتعقيده وتعالقه مع المجتمع والزمان والمكان.

وتطبيق الشريعة بهذه النزعة الشكلانية التي تأخذ الأمور إلى أقصاها وتطابق بين حكم الفقه وقرار الدولة, جناية على الشريعة نفسها, قبل أن يكون جناية على المجتمع.
عن أي شريعة نتحدث هنا, عن ردة حسن البنا وكل من يقول إن الديمقراطية تتفق مع الإسلام, أم عن فرض عقوبات لا على من يفعل حراماً قطعيا فقط, وإنما حتى على من يفعل ما هو مختلف في تحريمه مثل الدخان, أم عن عدم تفهم وجود أفكار إسلامية تختلف سياسيا أو فقهيا وإحالة كل اختلاف إلى كونه ردة أو بدعة يجب منعها ومحاربة من يقول بها أو ينشرها, عن شريعة حظر أي كتاب لم يسمع به من لم يقرأ غير كتب المقدسي والفلسطيني والخراساني ؟

نحن لا نتكلم عن خيالات استشراقية هنا, وإنما عن مستوى الفهم المتدني والمريع لمعنى الشريعة وحصرها لا في فهم معين فقط, بل في تيار معين يحق له وحده أن يتولى السلطة لتطبيقها, نتكلم عن حدود الحريات الفردية والسياسية والفكرية والاجتماعية, وعن مدى تقبل الاختلاف والتنوع, ومدى تقبل التاريخ نفسه.

ليس علينا السكوت أو القبول بمزايدات تطبيق الشريعة حسب فهم القاعدة أو داعش لهذا التطبيق, لأن هذا الفهم وتطبيقه هو جناية على الشريعة نفسها, قبل أن يكون جناية على الأمة التي لا تقوم الشريعة إلا بها.

***

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s