رجوعاً إلى دولة القبيلة

شكل الدولة الذي ييحث عنه جزء غير بسيط من الإسلاميين هو شكل دولة القبيلة, ولا يرقى حتى لشكل الدولة الأموية.
منذ بداية القرن كانت نقاشات الإسلاميين معنية بالتنظيمات وتفصيلات الدولة وعلاقة مؤسسة السلطة بمؤسسة الفقهاء, وعلاقة الديمقراطية بالشورى, كما لدى محمد عبده وخير الدين التونسي وصولاً لحسن البنا.
منذ الخمسينيات أو قبلها بقليل استدخل الإشكال الاقتصادي في صلب النقاشات الإسلامية, من سيد قطب إلى الشيخ مصطفى السباعي إلى محمد باقر الصدر.

وتوسع البحث في شكل الدولة لاحقاً نحو الأسس المكوّنة والعقد الاجتماعي السياسي المتخيّل الذي تنبني على أساسه سردية الشرعية الخاصة بأي دولة أمة, كما لدى عبد القادر عودة وعلي عزت بيجوفيتش وحسن الترابي, النقاش الذي دخل فيه المشغولون بإشكال موضعة هذه الدولة بين العلمانية والديمقراطية والمدنية باعتبار التشكيك “الإسلامي” المتزايد إزاء التحديث, مثل طارق البشري ومحمد عمارة وسعد الدين العثماني وأحمد الريسوني.
التشكيك الذي زادت حدته مع انتشار السلفية التقليدية وصعود السلفية الجهادية, ما أعاد النقاش إلى البحث عن أسس مضادة للاستبداد في التراث الفقهي نفسه, باعتبار فقه الأحكام السلطانية عاد ليكون أساس التفكير بالدولة, ليكون إشكال علاقة الأمة بالسلطة هو محور هذا النقاش, ولعلّ أهمّ من ساهم في هذا هو الدكتور حاكم المطيري.

مع ربيع الثورات, والذي تكلّم “باحثون” حالمون في بدايته عن زمن نهاية القاعدة, عدنا إلى ما قبل المربع الأول, وأصبح النقاش هو حول “تطبيق الشريعة” باعتبارها الحدود بشكلها التاريخي فقط, وعن الدولة باعتبارها الخلافة المتخيّلة عن شكل تاريخي ما فقط, حتى التشريع الإسلامي كموروث ضخم متراكم ومعقد ييغيب عن مفهوم “الشريعة” هنا, حيث أغلب المنادين أو القائمين على تطبيقها جاهلون أساساً بهذا التشريع وتعقيداته.
هذا مع الإقرار أن التشريع باعتباره الفقه, ليس سوى جزء من منظومة أشمل لتحقيق النموذج الإسلامي.

لكن ما حصل هو اختزال الإسلام بالفقه, ثم اختزال الفقه بالسلفية المتجاوزة للمذاهب, ثم اختزال هذه السلفية بالتشريع الجنائي, ثم اختزال التشريع الجنائي إلى الحدود, وبعض المظاهر الثقافية المتعلقة باللباس وشكل اللحية, وهذا كله استدعاء لنموذج تاريخي متخيل ومختزل بشكل زائف عن الممارسة الإسلامية الأولى, ثم محاولة تطبيقه في الراهن.
ولعل أكثر ما يوضح ذلك هو هذا التسابق الحاصل في هدم القبور والمقامات, هذه القبور والمقامات التي كفّت منذ زمن بعيد (أو لم تكن أصلاً) عن أن تكون محلّاً للعبادة, وأصبحت جزءاً من التراث الشعبي والهوية المعمارية للأماكن التي توجد فيها, بينما تُهدم الآن كانتصار للتوحيد على الشرك, دون أن يوجد أحد يوقظ الشباب المساكين من الحلم ويخبرهم أننا لم نعد نحارب مشركي قريش.

والأسوأ من ذلك, هو محاولة توحيد مؤسسة السلطة بمؤسسة الفقهاء, بعد تمايزهما الإجرائي وافتراق النخب الحاملة لكل منهما منذ القرن الهجري الأول, ما يؤدي إلى خسران واقعية السلطة وراهنيتها, مع تراكمية الفقه واجتهاديته, في الآن نفسه.

كنا نناقش النظرية الإسلامية في السياسة والاقتصاد والمعرفة, ونبني فلسفات أخلاقية ومدارس فكرية وقانونية, ونجري أبحاثاً ضخمة ومعقدة في التشريع, على رغم القصور الواضح في المصالحة بيننا وبين التحديث في كل ذلك (وليس بين الإسلام والحداثة), ولكننا الآن صرنا نناقش هدم المساجد والرجم ووهل نحتاج خلافة أم إمارة, ونتوسل أي حجة لنقول إن خلافة البغدادي ليست حسب الصفات المعتبرة, ونسينا تفكيرنا الأصيل والصعب في الدولة والمجتمع والحضارة وإشكالياتها, وهذا هو الأخطر.

العالم يتقهقر.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s