روبن ويليامز: انتحار المهرج الحزين

خروجاً قليلاً عن الحرب

روبن ويليامز منتحراً إذن بعد ترداد على مراكز علاج الإدمان, بعد فيليب سيمور هوفمان الذي انتحر أول هذا العام بجرعة عالية من المخدرات, وكلاهما بحالة كآبة.

ستكون مناسبة درامية للحديث عن “قلق في الحضارة” مع فرويد, أو لنردد كما اعتاد فدماء الإسلاميين واليساريين أن يردووا عنوان كتاب شبنغلر الذي لم يقرؤوا منه غير اسمه “تدهور الحضارة الغربية”, أو الحفر في المواقف السياسية لكل منهما, أو رأيه في الشذوذ والأسرة والدين … الخ.

ولكن في الحديث عن صائد النوايا الحسنة الذي ينتمي لفئة من الفنانين تجاوزت في دراميتها أو كوميديتها أن تكون محض تعبير عن “الغرب” هذا المصطلح المعمم والضبابي, والذي مكننا من الحديث عن “نزعة إنسانية” في السينما, عدا عن أنه كرر أدوارا تمثّل حالة رفض أو تمرد على هذه الحضارة بما هي ايديولوجيا مؤسسات وأداور اجتماعية راسخة, هنا علينا أن نتجاوز تحليل الحضارات قليلاً لنكون أنانيين ونبحث في ذاكرتنا الشخصية فقط.

رغم أدوار كوميدية لا تخلو من السخف في آخر حياته, فإن روبين ويليامز كان فنّاناً في اختيار أدواره, وربما تكون علاقة المضاف بالمضاف إليه هنا (أدواره) أكثر لصوقاً مما تريده اللغة, فصاحب الوجه القادر على المرح والخبث دون القدرة على الهيبة, والذي يحمل في ضحكه الخجول قلقه العميق, وفي شخصيته التي تبدو مفهومة ومتوقعة منذ البداية -حتى لو بجنونها- تناقضاته الكامنة التي تتفجر كلما اقتربنا من إشراقات الحبكة, اللاوعي هنا هو ما يخفيه روبن ويليامز عن نفسه, ولكنه أيضاً ما يخفيه المجتمع عن نفسه من جنايات باسم الحضارة وتدجين الفرد.

لا يمكن التفكير بروبين ويليامز دون تذكر الفيلم الملهم والمؤلم حقّاً, “awakinings” والمأخوذ عن قصة حقيقية, يعالج ويليامز مريضاً بالتهاب الدماغ (روبرت دينيرو) أصابته بما يشبه غيبوبة منذ طفولته, يجرب الطبيب مالكوم سابر عقاراً جديداً على هذا المريض, فيستعيد وعيه (يستيقظ) ويبدأ باكتشاف الحياة, اكتشاف الهواء والماء والنساء والقراءة, ثمة علاقة إنسانية عظيمة تسترد واقعيتها هنا وهي علاقة أم روبرت دينيرو بطفلها الكبير, ولكن العلاقة الإنسانية الأهم ستكون علاقة دينيرو بطبيبه الذي يبدأ بتعليمه معنى الحياة, ولكن هذا المولود العائد سيكون أكثر شغفاً باكتشاف الحياة مما يفهم روبين ويليامز نفسه, والأقسى أنه أكثر مما ستسمح المؤسسات ومعايير العقلنة التي تتبعها, يواجه دينيرو إكراهات المؤسسة ووعيه بحريته, هذا التناقض الذي سيُهزم فيه بالنهاية منسحباً -ومنتقماً- نحو غيبوبته القديمة, روبين ويليامز لن يندم فقط على أنه كان إحدى البراغي في ماكينة العقلنة هذه, ولكن لأنه فقد أستاذه, أراد ويليامز أن يعلم الطفل الكبير معنى الحياة, ولكنه اكتشفها به, كان المريض هو من حرر طبيبه من سجنه النفسي, ومن عزلته وفقدانه الشعور بالحب, ومعنى أن تكون حيّاً.

قلب المعادلة هذا في المواجهة بين العقلانية والجنون, أو بين الدور والاستهتار, سيتكرر مرة أخرى في فيلمه الذي نال به الأوسكار “good will hunting”, وسيكرر روبين ويليامز دور الطبيب النفسي, ولكن في شخصية أكثر ثقة وحزماً هذه المرة في ظاهرها, حين يعالج ويليامز شاباً عبقريا في الرياضيات (مات دامون) ولكنه لا يعبأ بعبقريته, أو بالأحرى لا يعبأ بحاجة المؤسسة إلى هذه العبقرية, ويفضل أن يعيش حياة التمرد والاستهتار على العقلانية الغنية, دامون وويليامز كلاهما شخصية عنيدة وعبقرية, وكلاهما يخفي هشاشته النفسية ورضات الماضي, وهذا التشابه هو ما سيؤسس للعلاقة بينهما, رغم رفض كليهما المسبق للدخول في دور الطبيب والمريض, وسيكتشف ويليامز في محاولته الحازمة للاكتشاف والترويض لمريضه, أن مريضه هو من يكتشفه ويحرره من رضات الماضي, ومرة أخرى من عزلته عن الحياة والمرأة, ولكن هذا التحرير سيكون مشتركاً هنا, ما بين العبقري الطائش والعبقري المحترم.

دور المعلم الحكيم والمتمرد على المؤسسة سيكون الأوضح في مجتمع الشعراء الموتى “dead poet socity” , يعلم ويليامز طلابه الشعر بأسلوب خارج التقاليد المدرسية, ما يغضب الإدارة, وما يحفز طلابه ليعيشوا الشعر كهمّ ومغامرة خاصة, لا كفرض مدرسي فقط, هذه الحرية والدخول إلى الحياة بذواتنا مجرّدين من الأشكال المضبوطة سلفاً, هو ما سيغضب المؤسسة (المدرسة, الأسرة), وما سيعاقب الطلاب والمعلم نفسه نتيجة ذلك, لكن بعد أن يتحرر الطلبة من عقد الدور الاجتماعي وتدجين الشخصية عبر الادعاء المكرس, مشهد النهاية من هذا الفيلم أحد المشاهد الخالدة في ذاكرة السينما.

هذا الانحياز للتمرد باعتباره تحرراً من عقد التدجين والدور الاجتماعي,لا يحضر دوماً عبر التخفي واللعب في مجاز الشخصيات, في فيلم “the fisher king” يكون ويليامز نفسه هو المجنون العبقري, الذي انسحب إلى الهامش المتمرد بعد فقدان زوجته, ويليامز مريض نفسي حقيقي هنا يرقص في الشوارع ويتعرى تحت القمر ويقول أموراً عبقرية ولكنه يتوهم دوماً وحشاً يلاحقه كتمثّل لذنبه في خسارة زوجته, وهو واعٍ بجنونه, ووضع لنفسه تحدّياً كي يحرر نفسه من هذا الجنون, هذا التحرير الذي لا يكفّ عن كونه مشتركاً, وشريكه هنا هو “مستهتر آخر” (جيف بريدج) ولكنه غير واعٍ لمعنى الحياة والحب, ويجبره ويليامز على تدبير مغامرته العاطفية الأولى, والتي لن تحرر ويليامز وحده, وإنما ستحرر بريدج أيضاً, والحب المكتوم والمتأخر لا يكف عن أن يكون شرط تحرر الإنسان من إكراهات الدور الاجتماعي أو النزعة الانطوائية, وشرط اكتشاف للحياة.

في فيلم الأرق “insomnia” يأخذ ويليامز دور المجرم لا المناضل, ولكنه المجرم نفسه الذي يكشف نفاق المؤسسة ونموذج الاحترام الاجتماعي الكاذب, يجسد ويليامز دور كاتب معروف ومحترم يستغل إعجاب فتاة قاصر به, ليصل بالحكاية حتى قتلها, ما يقابل الكاتب المحترم هو المحقق الناجح (إل باتشينو) وممثل القانون الذي يتورط برشوة ثم بجريمة قتل, ويفاوضه ويليامز على أن يتستر كلاهما – كمجرمين محترمين- على الآخر, ولكن اكتشافهما سيأتي في النهاية من الهامش, من المحققة المغمورة التي تعلمت من أستاذها كيف تدينه, حينها فقط, مع اعتراف الطبقة المهيمنة والمحترمة بالادعاء سيزول الأرق ويمكن لإل باتشينو أن ينام.

هذه النزعة المرحة لامتداح التمرد والتهكم من المكرس المقلد, والذي يغطي لا الواقع (كما يقول بودريار) وإنما ذاتية الإنسان نفسه ومشاعره, ستكون أقل حكمة في أدوار أخرى أكثر كوميدية (وإن لم تكن من الكوميديا الرصينة دوماص), مرة حين يكون راعي الكنيسة الذي يتدخل في من يريدون الزواج حتى يثبتوا له –أو لأنفسهم- أنهم يستحقون هذا الزواج, ومرة عبر الأب الذي يتنكر ليدخل بيته كمربية أطفال محاولاً استعادة زوجته.

في awakininks يقول الطبيب مالكوم ساير: 

” 

يمكننا أن نختبئ وراء العلم وندعى بأن العقار قد فشل أو إن المرض نفسه قد عاد , أو أن المرضى كانوا غير قادرين على تحمل فقدان عقود من حياتهم . ولكن الحقيقة أننا لا نعلم أين يكمن الخطأ أو الصواب , بينما ما يجب أن ندركه جيدا هو أن الروح الانسانية هى الأقوى أمام أى عقار , وهذا تحديدا ما يجب أن ننميه بالعمل واللعب والصداقة والأسرة .. تلك هى الأشياء التى تستحق الاكتراث حقا وهذا ما قد نسيناه .

ولكن الذي حصل أن العقار كان أقوى من روح روبين ويليامز في النهاية, وباختياره

ولكن لماذا نكمل إن كان روبين ويليامز نفسه لم يكمل جنونه الحكيم وأنهى فيلم حكايته على غير ما اعتدناه, أو توقعناه, أو قاله هو نفسه, هذه الكتابة كثيرة وهامشية أمام الخبر الواضح: روبين ويليامز الذي أضحك الملايين مات كئيباً … ومنتحراً.

“عش اليوم” .. “تجمعن ايتها البراعم طالما تستطعن” 

لماذا استخدم الكاتب هذه الكلمات؟ لأننا طعام الديدان أيها الغلمان. لأنه – صدقوا أو لا تصدقوا – كلُ واحدٍ منا في هذه الغرفة، سيتوقف عن التنفس في يومٍ ما. سيبرد و يموت.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s