أوهام حول الرأي العام

تكررت مشاريع قياس الرأي العام السورية التي اطلعت عليها, سواء في مرحلة التحضير أو بعد إنجازها وطلب المشاركة.

قياس الرأي العام في الدول الحديثة مهم, لا لمجرد معرفة المزاج الشعبي, بقدر ما أنه يقيس الخيارات السياسية الأكثر رواجاً لدى المواطنين باعتبار كل مواطن فاعلاً سياسياً بالضرورة.

والاهتمام بـ “الرأي العام” هنا, هو اهتمام بأثر هذا الرأي في صندوق الاقتراع واستباق الأثر السلبي لإهماله.

في الوضع السوري الآن, فالفاعلون المؤثرون هم فئات نخبة فقط من المقاتلين والنشطاء والسياسيين والداعمين, والأمر تجاوز كثيراً مسألة أن الرأي العام يصنع القرار, عدا عن لا فائدة “مقاييس رأي عام” مبنية أساساً على آراء غير الفاعلين, سواء كانت مأخوذة بين المدنيين أو اللاجئين أو غيرهم, باعتبار أن “الفاعل السياسي” هنا مفقود.

وهذا يقوّض أساس فكرة الرأي العام نفسها, وإن كان لا بد من الفكرة, فلتكن أكثر انتقائية فيمن تأخذ آراءهم, ما شكل الدولة المفضل مثلاً بين المقاتلين, مع تفصيل متعلق بالفصائل التي ينتمون إليها, هذا قد يكون له فائدة, أما قياس “الرأي العام” عن المفاوضات أو الحل المقبول بين شريحة هي غير مؤثرة في قبول هذا الحل أو تعكيره فيما لو بدأ, فما الفائدة من هذا ؟َ!

طوال الثورة السورية, نحن نتعلق بأسماء منزوعة عن مضامينها, دون وعي الأهمية الحقيقية لهذه الأسماء, قيل طويلاً إن المؤسسة العسكرية يجب أن تقوم على ضباط منشقين, كانت النتيجة فشل كل المؤسسات العسكرية “الخارجية” وتحولها إلى صراعات بين مجموعة لا تحارب في معظمها ومنفصلة عن الواقع الميداني, الأمر نفسه حين قيل إن المؤسسة السياسية يجب أن لا يدخل بها المقاتلون باعتبار أن العسكر مهمتهم حفظ الدولة لا المشاركة في صناعة السياسة, وكأننا في دولة مستقرة لدينا مؤسسة عسكرية حقيقية ومؤسسة سياسية تتداول شؤون البلاد مثل السويد أو النرويج.

هذا التعلق الرث بمفاهيم يتم تصور أنها “الصائب” و “الحديث” و “كما يفعل المتقدمون” دون حتى وعي مكمن حداثتها أو مطلوبيتها, أحد العثرات الأكثر تكراراً في الثورة السورية, ونتيجة هذا التبجح الرث بمعرفة هذه المفاهيم والحرص عليها تم ابتذال مفهوم المثقف والسياسي والعسكري, وتم وأد محاولات الممارسة الحقيقية والأكثر فعالية للثقافة أو السياسة أو العسكرة في الواقع الثوري الذي كان يحمل إمكانيات ولادة هائلة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s