القنيبي والبحث عن الوسط الصعب

في موقع زمان الوصل

نهاية شهر آب/أغسطس أعلن المنظر الجهادي الأردني “إياد القنيبي” اعتزاله المؤقت للتعليق على الشأن السوري، بعد عاصفة من النقد تعرض لها إثر كلمته الأخيرة (مفهوم الاصطفاف السني) والتي علق فيها على انضمام أحرار الشام إلى مبادرة “واعتصموا” مع حوالي أربعين فصيلاً سوريا مقاتلاً، واتهم بتخوين المبادرة وتفريق مبادرات التوحد، وكانت قيادات أحرار الشام (أبو عبدالله الحموي وأبو يزن الشامي) في مقدمة من انتقد “تنظير” القنيبي من “الخارج”.

وسنحاول هنا توصيف خطاب إياد القنيبي وموضعته ضمن الخارطة الجهادية، وأبرز مواقفه الإشكالية.

في محلية الثوري وعولمة الجهادي
لم تفترق الأوضاع السورية عن مجمل الأوضاع العربية الغارقة في الاستبداد والقمع، وعن التأثر بموجة الربيع العربي بداية 2011م، ولكن نشأة الثورة السورية وتطور مراحلها كان مغرقاً في المحلية، لا في أسباب اندلاعها التي يمتزج فيها الإسلامي والوطني بالمحلي وحسب، وإنما أيضاً على مستوى الانضمام إليها من القواعد الشعبية التي كان غالبها في “الأطراف”، حيث النسيج الاجتماعي والثقافي الصلب، ما انعكس على أساليب التعبير عنها عبر ثقافة المجتمعات المحلية، كانت الثورة بشكل ما إحياء للمحلي في مواجهة السلطوي، السلطة التي تحضر كجسد غريب ومحتلّ.

مع تطور الثورة السورية إلى العمل المسلح، صيف 2011م، وانتشار الجيش الحر كظاهرة عامة في الثورة السورية، بدأ ظهور “التيار الجهادي” من خلال جبهة النصرة التي كان أول إعلان عنها في 24 كانون الثاني 2012م، وتطورت لتصبح مع نهاية العام نفسه، إحدى القوى الحاضرة ميدانياً، ترافق ذلك مع تزايد أعداد “المهاجرين” المنضمين إلى القتال في سوريا، والذين انتمى غالبهم إلى التنظيمات السلفية الجهادية، سواء جبهة النصرة أو غيرها من فصائل المهاجرين، لهذا أسبابه المتعلقة بعدم تبني خطاب جهادي من قبل تيارات إسلامية أخرى كالإخوان المسلمين مثلاً، وعدم تبنيهم لإرسال أو استقبال متطوعين للقتال في سوريا، ما جعل المسار السلفي الجهادي شبه الوحيد للمتطوعين، وساعدت طائفية النظام واستجلابه للميليشيات الشيعية (الإيرانية، اللبنانية، العراقية، الأفغانية) على تنامي التيار الجهادي وأعطى مصداقية لطرحه الطائفي أساساً للصراع.
لكن التحول الأضخم كان بإعلان تنظيم دولة العراق والشام في 9 نيسان 2013م، والذي أسس أعمق أزمة يمر بها التيار الجهادي العالمي والثورة السورية على السواء، والذي يسيطر الآن على مناطق شاسعة في سوريا والعراق.

ودون الإغراق في تفاصيل ذلك، لكن المراد من ذكر هذا التحول، هو خيارات التأييد والتضامن المختلفة ما بين الحالتين، والتي سببها دخول التيار السلفي الجهادي العالمي على خط الصراع، فرغم المحلية الطاغية على الثورة السورية في بداياتها، إلا أن هذه المحلية نفسها في مرحلتها السلمية والمسلحة على السواء، جعلت هذه الثورة إحدى أكثر القضايا التي نالت تأييدا عربيا وإسلاميا شعبيا طاغياً في العقود الأخيرة، وهذا بين الحواضن “السلفية” أيضاً التي لم تجد مشكلة في البداية مع علم الثورة مثلاً، بقدر ما اعتبرته علامة على قضية عادلة تؤيدها.

وفي المقابل، فإن دخول القاعدة، والتيار السلفي الجهادي عامة، وفر إمكانيات تأييد مضاعفة للمنظرين الجهاديين، بقدر ما أنه جعل هذا التأييد أكثر تعلّقاً بالفصائل الجهادية ودعمها، عدا عن استدخال الصراع مع الغرب في صلب القضية السورية التي كانت محدودة بالصراع مع النظام السوري لا العالمي، هذا ما ساهم أكثر في ورود خبرات جهادية عالمية، من القوقاز وأفغانستان وبلدان عربية لتدخل تكتيكات وقدرات قتالية لم تكن معهودة لدى الفصائل المحلية، وساهمت في إضعاف النظام السوري في أكثر من محور، ولكنها أعطته مصداقية أكبر لتعميم الصورة الإرهابوية للصراع ضده، عدا عن أن أدلجة الصراع إلى الحد الأقصى، فرض أرضية من المزاودات حول تطبيق الشريعة ونقاء العقيدة وإقامة الخلافة، اخترق الفضاء الثوري كلّه، ليصبح الصراع الايديولوجي هذا هو العامل الحاكم والحاسم في كثير من المسارات التي اتخذتها الثورة أو فشلت في اتخاذها، هذا ما جعل من التأييد الجهادي للقضية السورية باعتبارها “الجهاد الشامي” و”قضية الأمة” رغم عولمته إلا أنه أكثر خصوصية، من عمومية تأييد الثورة المغرقة في محليتها.

وحضور الخطاب “السلفي الجهادي” المكثف في الحالة السورية، وقدرته على التأثير ورسم المسارات، حتى بين فصائل غير منتمية أيديولوجيا أو تنظيميا للتيار، لا يمكن فهمها بمعزل عن موقف المؤسسة الدينية في سوريا، وعدم حضور المشايخ في الحراك الثوري إلا بنسبة قليلة ومن خارجه، ما وفر فراغاً وأرضية موضوعية تحتاج خطاباً جهادياً مناسباً لوقع الحرب (للتفصيل في ذلك راجع دراسة “ثورة المتروكين” للكاتب).

الإعلام الجهادي: نقض الحداثة من الداخل
إن استسهال التعميم الماضوي على الحالة الجهادية العالمية، وتصويرها كاستعادة أبدية للصحراء، هو أحد نتائج النزعة الاستشراقية الرثة في دراسة “الظواهر الإسلامية” وتجنب فهمها من الداخل، يتكلم بيير بورديو عن مفارقة “أكاديمية” في الدراسات الاجتاعية الغربية، وهي أننا (الكلام لبورديو) ندرس ظواهرنا باعتبارها سوسيولوجيا بينما ندرس الآخرين باعتبارهم فرعا من الأنثروبولوجيا، ما يمارس هنا كمنهج موضوعي محايد يستبطن حربا استعمارية غادرت حقلها المادي لتمارس في الحقل الرمزي.

على أن تعميم الصورة الكاريكاتورية والاستشراقية هذه، على شيوعه في الإعلام العالمي، إلا أنه في حقل البحث والدراسات الجادة، ملاحظ عربياً بصورة أكبر، إذ يتم “اختزال” الظاهرة تجنباً لفهمها، وكمزج ما بين الرفض الايديولوجي للموضوع واعتباره أقلّ من أن يُدرس، أو خارج إطار الملاحظة الفكرية، بينما نجد أن هذه الظاهرة الجهادية أثارت كما من النقاشات الجادة غربياً أضعاف ما أثارته عربيا، وكانت ثمة حيرة “فلسفية” و”سوسيولوجية” في فهمها، موازية للدراسات الأمنية والاستخباراتية العالمية لهذه الحركات وتطورها، باعتبارها حركات تمرد ورفض للنظام العالمي، وتمارس حربها وتجدد أدواتها من داخل هذا النظام وباستعمال أدواته.

كان هذا جواب جاك دريدا لدى سؤاله عن “إرهاب” 11 أيلول، أن الأكثر رعباً في هذا “الإرهاب” كونه إرهاباً من الداخل، فمن فجروا الأبراج استخدموا تقنيات الحداثة والمنجزات الأمريكية نفسها لتدمير هذه المنجزات، والفيلسوف الفرنسي الآخر “جان بودريار” اعتبر أن تفجير البرجين كعمل إرهابي لا يمكن فهمه بمعزل عن “إرهاب العولمة”، وأن القاعدة حركة عنف مضاد لهذا العنف الأمريكي المعولم.

ولعل أبرز مظاهر هذه “الحداثة” في الظاهرة الجهادية، وإلحاحها على “المعاصرة” من حيث الممارسة والأدوات، كان في الحقل الإعلامي، حيث من الملاحظ اختراق الخطاب الجهادي لهذا الحقل وتحوله حسب تحولات “المتاح” في نشر الأفكار وجهود الحشد والتعبئة، من الرسائل النصية إلى أشرطة الكاسيت، إلى المنتديات الجهادية التي ولدت جيلاً من المنظرين الإلكترونيين القادرين على التأثير في الصراعات الجهادية الداخلية دون أن يُعرفوا كأشخاص، والذين ما زالوا حاضرين بقوة حتى الوقت الحاضر، ليتحول “الفضاء الافتراضي الجهادي” في العقد الأخير إلى مواقع الإعلام الاجتماعي (تويتر، فيسبوك، يوتيوب، إلخ) لدى طغيان الأخيرة، خاصة عبر “تويتر” ذي الطابع “الخليجي” والأكثر “عالمية” و”إخبارية” والذي أهّله ليكون المساحة المفضلة للجهاديين، أكثر من “فيسبوك”، المساحة المفضلة لدى الشعوب الأقل غنى بالبعد المادي أو الجهادي من الخليج (بلاد الشام ومصر خاصة)، وسيفسر توزع المنظرين الجهاديين على المواقع ومدى “متابعتهم” فيها خارطة تأثيرهم وموقهم ووزنهم الرمزي داخل التيارات الجهادية وأنصارها.

وتأسيساً على هذه النقطة الأخيرة، يمكن النظر إلى “القنيبي” كمظر جهادي مؤثر بين أنصار التيار (بلاد الشام والمصريين) خاصة، أكثر من تأثيره أو حضوره ضمن الوسط الخليجي (الجزراوي)، أو على الوسط الجهادي الصلب.

نقاء النموذج
أشار كثيرون في الرد على “القنيبي” بعد كلمته الأخيرة (مفهوم الاصطفاف السني) إلى كونه “صيدلياً” فليس من حقه الحديث في الشأن الشرعي، في الحقيقة فإن هذا المأخذ على “القنيبي”، كان أحد عوامل نجاحه وانتشار خطابه، باعتباره متجاوزاً تحدي الحداثة والتفوق العلمي، ويقدم نموذجاً كحامل للدكتوراة في علم الأدوية من جامعة هيوستن الأمريكية بتقدير ممتاز، ينقض الصورة الماضوية للجهاديين.

اعتقل “القنيبي” أواخر الـ2010 من قبل المخابرات الأردنية، ليفرج عنه بداية عام 2013م، ويبدأ بالانتشار كظاهرة مؤثرة، بين أوساط الإسلاميين عامة وأنصار الحركات الجهادية خاصة، والذين تزايدوا مع سقوط حكم الإخوان في مصر واجتياح الثورة المضادة للبلاد العربية، ويمكن ملاحظة الطيف الواسع من المتابعين للقنيبي في خطب الجمعة التي يخطبها في العاصمة الأردنية عمان أو بكلماته، والتي تنتشر بين أوساط شعبية وإسلامية لم تكن محسوبة على الوسط الجهادي.

وكان للقنيبي عدة مواقف لافتة وإشكالية لا تفترق كثيراً عن مواقف السلفية الجهادية من الديمقراطية، ولكن بخطاب أكثر حداثة وقرباً من اللغة اليومية، ودون أن يؤدي هذا الموقف إلى الانعزال عن قضايا الإسلاميين، فالإشارة إلى محاسن أردوغان أو مظلومية الإخوان أو بطولة حماس تُذكر دوماً مع خطورة التصالح مع النموذج الديمقراطي الكفري، وهذا الخطاب الذي يحاول بناء قاعدة شعبية خارج المؤدلجين سلفاً، بكسب قضاياهم للحيز السلفي الجهادي، بدلاً من القطيعة معها، يعتمد في مفرداته على لغة “وسطية” ومثالية تحل كل المشاكل وتظهر نفسها كنموذج نقي، وهي لغة تصلح لفرض نفسها كمرجعية مقنعة للباحثين عن الإجابة المريحة للضمير في “زمن الفتنة”، باعتبار هذا الخطاب يحارب “التمييع” و”الغلو”، مع ملاحظة أن القاعدة ولكن بالخطاب “الحديث” عنها هي النموذج الأقرب للوسط دون تسميتها.

هذا التأييد المشروط للقضايا، بقدر ما يظهر “تسامحاً” مع الآخر، ولكن هذا التسامح (حسب نظرية هابرماس التواصلية التي ترفض مفهوم التسامح باعتباره يستبطن نقيضه)، هو في جوهره إعلان مرجعية تقييم وتصنيف الآخرين، وهو ما يمنح ثقة مضاعفة به من قبل الشباب المتحمسين.

ساهم القنيبي في ترشيد وعقلنة الخطاب الجهادي، وكان له أثر واضح في الحد من تنامي التيار “الداعشي” وفي اكتساب كثير من “الأنصار المحتملين” لتنظيم داعش نحو خطاب أكثر اعتدالاً، كما ساهم في فك تقوقع أنصار التيار الجهادي حول أنفسهم ورفضهم للقضايا الثورية أو “الإسلامية” غير السلفية الجهادية، لنقلها من مواضيع للقطيعة والخصومة، إلى مواضيع للنقد والتصحيح.

قد يرى البعض هذا الخطاب مجرد خمر قديمة في أوانٍ جديدة، ولكن هذه التفاصيل الصغيرة التي تغيّبها الخصومة الايديولوجية تنتج مسارات مختلفة من الصراع والمعارك، وليست مجرد اختلافات تبقى في الإطار النظري المدرسي.

“القنيبي” في الثورة السورية
لا يختلف موقف “القنيبي” في الثورة السورية، عن الإطار العام الذي حددناه في المحور السابق، إنها محاولة لبناء جسر تواصل مع “قضية شعبية”، لعدم عزل “التيار الجهادي” عن الحواضن الشعبية التي ينشط داخلها، ولكن هذا التواصل عبر الأسس “السلفية الجهادية” وبمرجعيتها، من رفض الديمقراطية و”المشاريع الوطنية”، وذمّ التمييع والانبطاح، والحرص على أخذ موقف من الغلو والتجاوزات الحادة من أبناء هذا التيار (داعش) والتي تقطع الصلة مع الحواضن الشعبية وقضايا “الأمة”.

يأخذ الحرص على تماسك التيار هنا مساحة واسعة من هذا الخطاب، فيما عُرف بشعار “إخوة المنهج”، والذي انتقده “القنيبي” نفسه وقال إن الإخوة المطلوبة “إخوة الدين” لا إخوة المنهج.

وحتى نزيد من تمايز هذا الخطاب وتحديده، فكونه خطاباً “أكثر حداثة” وأحرص على القواعد الشعبية، لا يعني أنه دوماً يلتزم بمواقف أبعد عن “الراديكالية”، فموقف الشرعي العام السابق لجبهة النصرة (أبو ماريا القحطاني) من داعش كان أولوية قتالهم وطردهم من سوريا والعراق وبأعنف لغة ممكنة، بينما كان القنيبي (الأكثر حداثة وأقلّ التصاقاً بالسلفية الجهادية) يعارض قتال تنظيم داعش، ويعارض تخوينهم واعتبارهم أعداء بالمطلق، ويحرص على استقطابهم لجهته، هذا التمايز لا يمكن فهمه دون تحديد “جمهور الخطاب” الذي يحدد “الإشكال” لدى كل منهما، فالجمهور لدى القحطاني هم المقاتلون والجهاديون على الأرض والذين يواجهون داعش بالسلاح على مدى أشهر والإشكال المؤسس لخطابه هو الوضع الميداني وضرورة وقف تمدد التنظيم واعتداءاته، بينما الجمهور الأوسع لدى “القنيبي” هم “أنصار” التيار الجهادي الشباب والذين يحددون بعددهم الهائل الرأي العام الشائع في الفضاء الافتراضي والرافد الجهادي المحتمل للأرض، والإشكال المؤسس لديه هو تقديم موقف “نظري” أكثر مثالية ويبعد هؤلاء الشباب عن تشجيع “الغلو” أو السكوت عن “التمييع” ويزيد من تماسك هؤلاء الأنصار، وهذا لا ينفي أهمية الأنصار لدى القحطاني أو الجهاديين لدى “القنيبي”، ولكن الكلام عن الجمهور والمتأثرين الأوسع بكلا الخطابين وتحديد هذا الجمهور لإشكال الخطاب، ما يحدد توجه الخطاب نفسه.

انتقد “القنيبي” مشروع الجبهة الإسلامية عند إعلانها في 22 تشرين الثاني/نزفمبر 2013م، باعتبارها تريد إقامة مشروع “وطني” يتعارض مع الأممية المطلوبة للمشروع الجهادي العابر للقوميات، والأهم من ذلك هو الدافع الباطن لكونها تعلن مشروعاً سياسياً مختلفاً عن المشروع “السلفي الجهادي” المتمثل بجبهة النصرة خاصة، ووصل الأمر أكثر من مرة في انتقادات “القنيبي” للفصائل السورية إلى التهديد بتحريم القتال تحت رايتها.

واعترض على تجاوزات “داعش” وانتهاكاتها ضد أحرار الشام وغيرها من الفصائل، ولكنه حذر من القتال  ضدها، وكانت كلمته المشهورة (في انتظار الطلقة الأولى) ملاصقة لاندلاع الحرب ضدها، اعتبر “القنيبي” أن القتال ضد داعش محرقة للمجاهدين، وإرضاء “للنظام الدولي”، كان الحرص على تماسك التيار ومنع استنزافه مقدمّاً على “الأجندات” الثورية التي ترى في داعش مشروعاً يقضم مناطقها المحررة ويهدد مشروع الثورة وجوديا.

ومنذ بداية العام الراهن أصبح الموقف من داعش، هو حجر الرحى لكل النقاشات والتصنيفات في الوسط  الجهادي وأوساط الثورة السورية، وحرص “القنيبي” على إظهار موقف مثالي نموذجي، ينتقد تجاوزات داعش، وينتقد القتال ضدها، وينتقد الغلو في طرف داعش ولكنه ينتقد التمييع والعمالة للغرب في الطرف الآخر.

أصدر “القنيبي” أكثر من كلمة لتفنيد حجج تنظيم داعش في قتال الفصائل السورية وجبهة النصرة، وإحداها كانت كلمة في مواجهة اتهامات داعش لخصومها باعتبارهم جميعاً “صحوات”، كانت عبارة عن تصنيف للمقاتلين السوريين إلى 14 قسماً، حسب موقفهم من الديمقراطية وفكرة تطبيق الشريعة وإقامة الخلافة، ليس لدى المشروع الجهادي مشكلة من “الجيش الحر” كمقاتلين غير متدينين أو متدينين غير مؤدلجين، ولكن المشكلة هي فيمن يمتلك مشروعاً منافساً، وقد يُرى أن له ارتباطات دولية معادية للتيار الجهادي مثل حركة حزم وجبهة ثوار سوريا خاصة، واللتين يشار إليهما دوماً في الفضاء الافتراضي الجهادي بكونها جهات “علمانية” و”عميلة” و”وكيلة عن النظام الدولي”.

كان هذا سبب الانتقاد الخفيف للجبهة الإسلامية، ثم الملاحظات على “ميثاق الشرف الثوري” والتي خففت من حدة اللغة الهجومية على الميثاق (كما أسلفنا قبل عن الخطاب الحكيم الذي يحاول إقامة توازن مثالي ويسهم في عقلنة وترشيد الحالة)، ولكنه كان أكثر حدة تجاه المشروع العسكري السياسي الأضخم والذي يمثل قيامه –لو تم- خسارة نهائية للحليف الأقرب للتيار الجهادي بين الفصائل السورية (أحرار الشام)، وشبه انفصال عن المشروع الأقرب للقاعدة والأممية الجهادية، وهو مشروع (مبادرة واعتصموا).

أصدر “القنيبي” كلمته (مفهوم الاصطفاف السني ومناقشة مبادرة واعتصموا) بعد إعلان أحرار الشام نيتهم دخول مبادرة واعتصموا، وكان قد لمح للمبادرة وللمشاريع الخارجية ضمنها أكثر من مرة قبل، وقد نصت المبادرة على:

“في الاصطفاف السني يسوّغ القتال مع الفجار وأهل البدع والعصاة ما دامت الغاية مشروعة. لكن الحالة محلَّ النقاش هي الاصطفاف مع من يقاتلون وكالة عن النظام الدولي والدول الوظيفية، والتي لا يخفى تواطؤها على أهل الشام وجهادهم. ففرق بين القول بتحييد هذه الفصائل للتفرغ للنظام والقول بالاصطفاف معها لإسقاط نظام لم تنشأ هذه الفصائل لإسقاطه أصلا ! وإنما لتثبيته واحتواء ثورة الشام.”

كان هذا التصريح والاتهام المبهم لفصائل بالخيانة والعمالة، والتحذير من التعامل معها، وهو الذي يؤدي بالضرورة في ساحة ملتهبة إلى القتال معها، ما فجر بركاناً من الانتقادات والهجوم على “القنيبي”، رغم كونه نفى أكثر من مرة بعد ذلك (ولمح إلى هذا النفي خلال الكلمة نفسها) كونه يعمم التهمة على المبادرة وفصائلها، وأنه لم يقصد سوى وضع قواعد عامة ولا يريد تسمية أحد، وهذا الموقف من “القنيبي” وإن كان تعبيراً عن تصور شائع تجاه فصائل بعينها في الجيش الحر، إلا أن مقصده الأساس كان تجنب الحرج أمام اتهامات داعش لخصومها، والذين سيصبحون بالتحالف مع من لا يمكن الدفاع عنهم في التيار الجهادي (حركة حزم وجبهة ثوار سوريا خاصة)، قد أثبتوا بالنسبة لأنصار داعش كونهم أيضاً عملاء، وبهذا لا يمكن الاستمرار باستقطاب أنصار داعش ونفي حججها، باعتبار أن التيار الجهادي الأممي عامة قد يتفق معها في منطلقاتها (وجود عملاء وحكم التحالف معهم) وإن كان قد يختلف في التعامل معها.

ومرة أخرى كان الإشكال النظري والبحث عن جواب مثالي ونموذجي للأنصار، هو المحدد لخطاب “القنيبي”، على النقيض من الإشكال الميداني والبحث عن حل عملي وثوري للتهديد الوجودي والأخطر الذي تواجهه الثورة السورية، عدا عن قطع الطريق أمام أي حجة قد تؤسس لصراع داخلي آخر تسفك فيه دماء الثوار وتستنزف فيه قواهم أكثر، لدى قيادات أحرار الشام خاصة أو الفصائل السورية عامة.

والأهم من هذا وذاك، هو أن الإشكال الأكبر في مواجهة تنظيم داعش، كان تردد طيف واسع من الشباب المقاتلين في ذلك، واعتبارهم أن داعش مسلمون ومجاهدون لا يجوز قتالهم حتى لو مارسوا تجاوزاتهم على هؤلاء الشباب أنفسهم، كان هذا السبب الأهم الذي مكن داعش من التمدد الجغرافي الشاسع ومن النكاية المرعبة بآلاف من المقاتلين في صفوف الفصائل السورية أو جبهة النصرة، هذا التردد نفسه وموقف اللاحسم واعتبار أن داعش “إخواننا” كان أخطر ما في خطاب “القنيبي” على الساحة السورية، كما رآه أبناء الثورة السورية.

خاتمة
لا يمكن فهم تأثير “المنظرين الجهاديين” في الثورة السورية، دون ملاحظة الغياب الحقيقي للمشايخ السوريين وفشل النخب الدينية السورية في إنتاج أو تبني خطاب جهادي من رحم تيارات التدين المجتمعية أو السياسية القديمة، ودون موجة الثورات المضادة وارتفاع أسهم التيار الجهادي على حساب الإسلام السياسي، ودون تنامي الحركات الجهادية المعولمة وأعضائها من المهاجرين.
ومن المهم فهم التجربة والخطاب الجهادي باعتباره منتجاً “حداثياً” بمعنى أنه يمارس عمله الآن وهنا، وينتج من إشكاليات اجتماعية وسياسية راهنة، ولا تقل السوسيولوجيا أهمية عن الايديولوجيا في فم هذه الحركات، حتى لو كانت تؤمن بنموذج تقليدي للدولة أو مغاير لنموذج الدولة الحديثة، وهذا يشمل الإعلام الجهادي خاصة، والقادر على تجديد أدواته والانخراط في وسائل العولمة أسرع من المؤسسة التقليدية أو الإسلام السياسي مثلاً، وأنه يمكن بتتبعه قراءة خارطة التأثير والقوة للخطابات والمنظرين الجهاديين.

ساهم “إياد القنيبي” في ترشيد وعقلنة الخطاب الجهادي وإخراجه من انعزاليته وأسهم في بناء حواضن شعبية له تتجاوز الحواضن الايديولوجية الصلبة (في الأردن خاصة)، كما كان له أثره الواضح في مقاومة موجة “التدعش” بين الأنصار والعدمية الجهادية السائدة، وتقديم خطاب بديل أكثر اتزاناً و”حداثة” ويحاقظ على الأسس والمرجعية (السلفية الجهادية) نفسها في ذات الوقت، والتي تعتبر اتجاهات الإسلام السياسي أو المشاريع الثورية “الوطنية” انحرافاً وتنازلاً ويتضمن ممارسات وعقائد “كفرية”، ما يؤسس لافتراق وعزلة مختلفة وإن كانت أقل حدة، باعتبار أن التعامل على أساس “التسامح” يستبطن تعالياً قد لا تقبله المشاريع الناجزة أو حتى الطموحة.
وفي الوقت نفسه ساهم في تشجيع خطاب “الفتنة” و”الاعتزال”، الخطاب الذي كان من أهم ما ضاعف من موقف التردد لدى الشباب المقاتلين في صفوف الثورة السورية، وما ضاعف من قدرة تنظيم داعش على قضم مساحات شاسعة من هذه الثورة ووضعها أمام تحدي الوجود الأخطر، وما ضاعف من قدرته على قتل المزيد والمزيد من هؤلاء الثوار والمقاتلين أنفسهم.

ولا يمكن فهم موقع هذا الخطاب ضمن الخطابات الجهادية والصراع السوري بمعزل عن تحديد بنية اللغة والجمهور المستهدف والإشكال المؤسس، والذي أدى إلى الصدام الأخير، بعدا اتُهم “القنيبي” بتخوين فصائل الثورة السورية وتقديم الحرص على “إخوة المنهج”، ما نفاه “القنيبي” بتأكيده أن مقصده فصائل محددة فقط لا المبادرة، وأنه أحرص على “الإخوة الإيمانية”، متوجاً هذا الصدام باعتزاله المؤقت للتعليق على “الجهاد الشامي”، تاركاً لنا قياس مدى تأثير حضور أو غياب هذا الخطاب الظاهرة على تنامي الخطابات الأخرى، الأكثر ثورية أو الأكثر تطرّفاً.

ورغم المثالية الحالمة والضرورية التي لا بد منها لاستمرار الحرب، فإنه يبدو أن المعركة تتطلب من المواقف أن تتخذ موقعها الواضح في الجبهات، وأن الحلول الوسطى والمواقف المثالية النموذجية التي تحاول جمع النقيضين ورفضهما معاً بمثابة الثالث المرفوض، ومرة أخرى يثبت أرسطو أنه يحظى بالتداول إسلاميا أكثر من أفلاطون.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s