بابك الحوثي

ربما لم يمرّ قبل المغول تهديد أعنف من “بابك الخُرّمي” على الدولة العباسية, ظهر بابك في الربع الأول من القرن الثالث الهجري, كثورة فارسية صرفة على الدولة الإسلامية, وكان ممثل القومية الفارسية ما قبل الإسلامية, ما استدعى تبنّيه لعقيدة تستمد جذورها من المزدكية, طيلة عشرين عاماً يروي المؤرخون أن بابك الخرّمي قتل 250 ألفاً ما بين مسلم وذمّي, واستطاع هزيمة أعتى القادة والمحاربين, وكان أشهرهم (محمد بن حميد الطوسي الطائي), القائد العربي الذي عاش حياته محارباً للروم وعرفت ممالك الأرض بطولاته, وكانت قصة شهادته الملحمية حين التحق بكتيبة كانت محاصرة في وادٍ ضيق وقاتل حتى قُتل مع كل جيشه, وكان قادراً على تركهم, إضافة إلى سيرته وغربة “العربي” في تلك الأيام, سبباً في الحداد والرثاء العامّ الذي ندر أن تبع مقتل أحد ربما منذ توفي رسول الله عليه السلام, وكتب عشرات من الشعراء أفضل قصائدهم وأكثفها شجناً ومرارةً في رثائه.

وكثير من أشهر المراثي التي نحفظها ونرددها حتى اليوم, تعود إلى رثاء محمد بن حميد الطوسي الطائي, وأشهرها بلا شكّ مرثية أبي تمام التي مطلعها

كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمرُ
وليس لعينٍ لم يفضْ ماؤها عذْرُ

والتي يقول فيها:

فتى مات بين الضرب والطعن ميتةً
تقوم مقام النصر إذ فاته النصرُ

طبعاً لا يفوتُنا هنا أن من تمكن من هزيمة بابك الخرمي (222هـ) ثم “جرّه” إلى سامراء وصلبه هناك (223هـ)، كان الأفشين حيد بن كاوس, الأعجمي من أشروسنة فيما وراء النهر (قرب سمرقند), الذي عقد له المعتصم لواء الحرب عليه, كانت مكافأة المعتصم للأفشين بعد انتصاره التاريخي ونتيجة الصراعات المركبة والداخلية في الدولة العباسية, أن قتله بتهمة الزندقة وصلبه أمام العامة في بغداد سنة 226هـ.

وحتى الآن ستجد حتى لدى المفكرين الإسلاميين الإيرانيين الأقل طائفية, جرحاً تاريخياً يتمثّل بهزيمة بابك الخرمي ممثل انبعاث القومية الفارسية, وخيانة الأفشين, كنموذجين يتكرران عبر التاريخ.

تذكرتُ هذا بينما كنت أقرأ قصيدة البردوني (الغزو من الداخل) التي أترنّم بأبياتها

يمانيون في المنفى ومنفيون في اليمنِ
ومن مستعمر غازٍ إلى مستعمر وطني

مع كل خبرٍ عن اليمن غير السعيد, وفاجأني حين طالعت القصيدة كاملة ذلك البيت العجيب, يومها لم يكن الإيرانيون هم الأعداء, ولا كانو هم الخطر, ولكن البردوني استدعى رمزية بابك الخرمي كنايةً عن الأعداء, عن الآخرين الذين هم الجحيم كما يقول سارتر, أو كما يقول التاريخ اليوم بفجاجة خذلان الإخوة الأعداء.

عن صنعاء وبغداد وبيروت ودمشق, قال البردوني يوماً دون أن يقصد ذلك:

فظيعٌ جهلُ ما يجري وأفظعُ منه أن تدْري

يمانيون في المنفى ومنفيون في اليمن
جنوبيون في (صنعا) شماليون فـي (عـدن)
وكالأعمام والأخوال في الإصرار والوهن
خطى أكتوبـر انقلبت حزيـرانية الـكـفـن
ترقّى العار من بيع إلى بيع بلا كفن
ومن مستعـمر غــاز إلـى مستعمر وطني
لمـاذا نحن يـا مربـى ويا منفى بلا سكن
بلا حلم بـلا ذكرى بلا سلوى بلا حزن ؟
يمانيون يا (أروى) ويا (سيف بن ذي يزن)
ولكنّا برغمكما بـلا يُمْـن بلا يمن
بلا ماض بلا آت بلا سر بلا علن
أيا صنعا.. متى تأتين مـن تابوتك العفن؟
أتسألني أتدري؟ فات قبل مجيئه زمني
متى آتي ألا تدري إلى أيـن انْثنـت سفني
لقد عادت مـن الآتي إلى تاريخها الوثني

فظيعٌ جهلُ ما يجري وأفظعُ منه أن تدْري

شعاري اليوم يا مولاي نحن نباتُ إخصابك
لأنّ غـنــاك أركعنا علـى أقدام أحبابك
فألّهناك… قلـنا: الشمسُ من أقباس أحسابك

فنمْ يا (بابك الخرمي) على (بلقيس)… يا (بابك) !

ذوائبهـا سريـر هواك وبعض ذيول أربابك
وبسم الله جلّ الله نحسو كـأسَ أنخابك
أميرَ النفط نحن يداك نحن أحدّ أنيابك
ونحن القـادة العطشى إلى فضلات أكوابك
ومسؤولون في (صنعا) وفرّاشـون في بابك
ومـن دمنـا علـى دمنـا تموْقـعَ جيشُ إرهابك
لقد جئنا نجرّ الشعب في أعـتـاب أعتـابك
ونأتي كـلّ مـا تهوى نمسّح نعلَ حجّابك
ونستجديك ألْقاباً نتـوّجها بألقابك
فمرْنـا كيفما شــاءتْ نوايـا ليل سردابك
نعـم يـا سيد الأذناب إنّا خيرُ أذنابك

فظيعٌ جهلُ ما يجري وأفظعُ منه أن تدْري

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s