عصاب النقاء الهوياتي

ما ألاحظه منذ زمن أن كثيرا من الإسلاميين يفتقدون نعمة الملل, عدا عن فقدان قسم لا بأس به نعمة الحكمة في تقدير الأولويات والمواقف, موضوع تهنئة المسيحيين الذي يتكرر كل سنة بالكلام نفسه والحجج نفسها والاختلاف نفسه في هذا اليوم مثال جيد على ذلك (موضة إعلان التسامح بالاحتفال بأعياد الآخرين تفتقد الملل أيضاً), ولكن الأمر يتوسع ليشمل كثيراً من “شكلانيّات حفظ الهوية” و “الرد على الآخر” التي تشغل المساحة الأوسع من أدبيات الإسلاميين, التي يحكمها الاستجابة والانفعال لا الإبداع أو التأثير, قبل أيام مثلاً ظهر شيخ سلفي سعودي مع زوجته كاشفة وجهها, وهو رأي فقهي لا يمكن لأحد في العالم أن ينكر أنه موجود وأنه قال به فقهاء معتبرون, وأن النقاب كان وما زال وسيبقى قضية خلافية لا نصية مجمعاً عليها, رغم ذلك انشغل آلاف من الشباب والمشايخ والباحثين وطلاب العلم بتوضيح هذا الخطر المحدق بالإسلام نتيجة ظهور وجه زوجة أحد المشايخ, الغناء أمر قديم جديد, ثمة عطب أكيد في الفطرة الإنسانية لمن لا يفرق ما بين أم كلثوم ومارلين مونرو مثلاً, ويعتبر الجميع غناء واحداً يؤدي للفسق والخلاعة وانفراط عقد الأمة وتضييع الدين والعياذ بالله.

مجتمع الإسلاميين المحافظ, وهذا يشترك فيه الإخوان والسلفيون والصوفية وغيرهم, والكلام عن المجتمع هنا مقصود باعتبارنا نتكلم عن جماعات وعوائل وعلاقات تواصلية وصراعية مع الجماعات الأخرى, أكثر مما نتكلم عن خيارات فكرية اتخذها الأفراد, مشكلته الأكبر هي في عصاب الهوية الذي يشغله والذي يوجه معظم جهده ومعاركه النظرية, ويمنعه من تطوير معارفه لا بالنسبة لحكمة الغرب بل بالنسبة لحكمة الإسلام وتراثه نفسه (من يجرؤ الآن أن يطرح وجهة نظر تاريخية مخالفة للعواصم من القواصم مثلاً ؟!), لا غرو أن هذا يفيد أحياناً في تكوين عصبة تضامنية ضد السلطة المستبدة أو المحتلة, ولكن ضرره الحاصل هو توجيهه ضمن المجتمع الأكبر نفسه, حين يغيب “الآخر” الصريح هذا أو حين تغيب القدرة عليه, هنا يحضر الآخر في القريب, في الإسلامي المخالف, في المسلم غير المؤدلج, في شكل اللباس, والكتب الموجودة في المعارض, التهديد في كل مكان, والمؤامرات تتكالب علينا, وقد يخرج المرء من الإسلام دون أن يعلم, والإسلام نفسه في خطر, لأنه ليس قائماً في التاريخ أو المجتمع ولا حتى في النص, بل في السلطة الرمزية لهذه الجماعة المحافظة التي تمثل الإسلام أكثر وتحميه -قبل الكفار- من المسلمين أنفسهم.

ولذلك فشرعية أي إسلامي هي ليست فيما يقوله عن الإسلام, وإنما هي قبل ذلك في ردّه على الآخر, ولدى أي قضية يجب التذكير بأن العلمانيين لم يقدموا ما هو أفضل, وأنهم حاقدون وزناة, حتى كإسلاميين فإننا يجب أن نقدم قبل كل قول افتتاحيات الرد على الآخر والبراءة منه, لأن هويتك كمسلم هي موضع شك, وعند البحث في الفكر الغربي فأول القضايا المبحوثة هو أين ردّ الغرب على نفسه, لذلك لا يوجد ما هو أشهر من مدرسة فرانكفورت في الفكر العربي الحديث مثلاً, ولدى بحث أي هزيمة أو فشل فلا ينتشر أكثر من تحليلات المؤامرة التي نسجها اليهود, لا لتجاوز الواقع وإنما لتجاوز مسؤوليتنا عنه أيضاً.

هل نتحدث أيضاً عن مسألة الدولة ونقاشاتها التي تدور كلّها -لا معظمها- في البحث عن نقاء المصطلحات, لا أريد التفصيل أكثر في هذه القضية.

عموماً, فأنا أفضل الصمت في معظم النقاشات التي تدور في الحلقات المغلقة لسرديات المؤامرة والماسونية، أو لهذه القضايا التي لا تفتأ تتكرر منذ مئات السنين دون التسليم بالبدهية الأولى الي ينبغي أن يعرفها طالب العلم: أن هذه القضايا غير النصية والإطلاقية مختلف فيها فعلاً منذ البدء وستبقى كذلك, وأن لكلّ وجهة هو مولّيها, وأنهم لا يزالون مختلفين, القصة طويلة, اللهم عافِنا.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s