ي أنوثة العاصفة

ثمة قولان يحتملهما التأويل في تسمية الأعاصير بأسماء الإناث, الأول هو أنها تسمية تفاؤلية, كما تدعو العرب الملدوغ بسم العقرب بأنه “سليم”, فباسم الأنثى تنجلي ظلم العالم حسب هذا المنزع الرومانتيكي, والثاني أنها تسمية وصفية متحيّزة, تحيل إلى نظرة ذكورية تنسب الشرّ والكوارث إلى المرأة, في الأساطير القديمة كان ثمة توافق متكرر ما بين آلهة الطبيعة والخصب, أو الحب والحرب, وهي آلهة أنثى غالباً, ويستدعي اسمها الكارثة والفردوس, حتمية الموت واستمرارية الحياة.
أفروديت مثال موحٍ, كإلهة للخصب, فهي لم تولد من الورود والقمر, وإنما من انتقام عنيف ودموي, وذي دلالة موحية (ولدت من حادثة خصاء دموية, الابن يلاحق أباه انتقاماً لأمه, وبعد أن تلاقى الجزء المبتور المرميّ بماء البحيرة وُلدت من امتزاجهما أفروديت).

التاريخ ليس أقلّ تحيّزاً ضد المرأة, رغم سردية المظلومية الواجبة التكرار عند أي حديث عن التاريخ الإسلامي خاصة, فإن المرأة حين تدخلت في المؤسسة السياسية لم تكن أقلّ دموية أو تسلّطية أو جشعاً من الرجال, ( لا شكّ أن رومانسية درويش حين قال: “قد نحسن صنعاً لو سلّمنا سيدة أجهزة الأمن” كان له أهداف وظيفية وبراغماتية أكثر مما هي وصفية أو تحليلية) , بل زادت هذه القسوة في كثير من الأحيان, حتى أنها ضحّت بأبنائها في سبيل السلطة والمال, عدا عن تخريبهنّ للمؤسسة السياسية والقضائية, ليس ابتداءً بالخيزران أم الهادي والرشيد, ولا انتهاء بشغب أم المقتدر التي اتهمت بقتل نساء زوجها وجواريها بالسمّ و الإغراق في دجلة (ومنهنّ قطر الندى صاحبة العرس الأسطوري حين زفّّها خمارويه بن أحمد بن طولون إلى المعتضد بالله رجل بني العباس الذي كان آخر من أعاد للخلافة هيبتها التي لم تلبث أن تنهار بعده), وصل الأمر بالسيدة أم المقتدر (كما سمّت نفسها بعد تولية ابنها ذي الـ 13 عاماً) أن تعيّن جاريتها “ثمل” لتنظر في المظالم على رأس القضاء والفقهاء في مجلس كل أسبوع, وهذا حدث جنوني في وقته, وحين ثار الأتراك على المقتدر رفضت أن تعطيه خمسين ألف دينار رواتب للجنود, وتركته لمقتله, فقتل الأتراك ابنها وهو يلبس البردة النبوية, وكانت الحادثة التي اكتمل بها انهيار هيبة الخلافة إلى الأبد, ولما قتل وسجنوها وعذّبوها, وجدوا آلاف آلاف الدنانير في خزائنها وحدها, وثمة عشرات الأمثلة التي يمكن أن تذكر هنا.

صحيح أن أدبيات الفقهاء المعتادة, تنسب الفتنة للنساء أيضاً, ولكنها تأخذها مزحاً أكثر مما هو جد, (ومظالم النساء المحقة في مجتمعنا أكثرها بحكم العادات لا الفقه) ابن حزم هنا حالة فارقة, وجميلة وفاتنة, في كتابه طوق الحمامة يصف كيف أنه تربى بين النساء ولذلك فهو أكثر من يعرف أسرارهنّ ومكائدهنّ ومكرهنّ, كلام المحبّ العارف بعالم النساء المضحك والمليء بالضعف والمكائد هذا, نجده ينتقل لمدافع مستميت عنهنّ ضد الحجج التي قيلت لتفضيل الرجال على النساء, طيلة صفحات من كتابه “الفِصَل بين الملل والنحل”, وأن من يقول بهذا الذي يشمل أفضليته على أمهات المؤمنين ومريم البتول “إن تمادى على هذا سقط الكلام معه ولم يبعد عن الكفر”.

فرويد يتجاوز المنطق الكمي للمقارنة الأخلاقية بين النساء والرجال, وينتقل إلى الجذر الأول, مظلوم هو فرويد عندنا بالمناسبة, ويحوكون حوله الأساطير, لأنه يحمل لعنة اليهودي, يرى فرويد أن المرأة محكومة بانفعالها الآني والداخلي أكثر من الرجل الأقدر على اتباع منظومات برانية, يمكن للمرأة أن تعيش التجربة الروحانية للدين إلى أقصاها مثلاً, لكن التزامها بالمنظومة القانونية لهذا الدين سيكون أصعب, لأن هذه المنظومة الخارجية ستكون محكومة بتوتر الانفعالات الداخلية أكثر مما هو النقيض, فالرجل هو من يضع المنظومات القانونية والأخلاقية للمجتمع, ولذلك فبإمكان المرأة أن تصنع الثقافة ولكن الرجل من يصنع الحضارة بالضرورة بما هي كبت للغرائز وضبط عقلاني للمجتمع, والرجل دوماً أقدر على الالتزام بالأيديولوجيا أو بالمنظومات الأخلاقية البرانية من المرأة الأكثر استجابة إلى الجوّاني والأقل قدرة بالتالي على الالتزام بأخلاق أو قضايا برانية, ولكن دون أن ينفي هذا الانكفاء نحو الداخل براغماتية قد تكون عالية في البحث عن المصلحة باعتبار سردية المظلومية التي تحفل بها هذه المرأة والقادرة على أن تبرر بها خيارات تتناقض مع أخلاق الخارج ونداء الداخل معا أحياناً.

موقف فرويد الذي ينظّر “للنقصان الأخلاقي” لدى المرأة سايكولوجيّاً, (مقابل النقصان الديني الذي تأوله الفقهاء كمّيّاً ونفوا عنه أن يكون نقصاناً في قيمة العبادة والإيمان) ليس فريداً بين رموز المعرفة الغربية خاصة, وهذا يشمل الكنيسة والفلاسفة معاً, أرسطو أشهرهم في الأقدمين, ونيتشه في المحدثين.

للنساء وظيفة أولى هي الإغراء
للشعراء أن يتساقطوا غمّاً
وللشهداء أن يتفجروا حلماً
وللحكماء ان يستدرجوا شعباً إلى الوهم السعيد
لا تعطنا يا بحرُ ما لا نستحقّ من النشيد

يقول درويش. كان هذا أيضاً رأي عمر بن أبي ربيعة حين قتل مصعب بن الزبير زوجة المختار الثقفي في رابعة النهار, فأنشأ يقول باكياً للأنوثة الشهيدة:
كُتب القتلُ والقتالُ علينا
وعلى الغانيات جرُّ الذيولِ

مهمة المرأة الجمال, وليس علينا أن نحاسبها على حروبنا ولا أن نسألها حتى عن موقفها من صخب المعركة, هذا رأي الرومانتيكيين.

عموماً, فالشكر لهدى على أن المروحيات لن تستطيع الطيران هذه الأيام, ولو لم يكن من جمال البرد إلا أننا عرفنا به الدفء لكان كافياً, والليل كثير جدّاً بما يسمح أن أكتب هذا دون مراجعة ولا كأس قهوة ولا صوت أم كلثوم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s