ابن الرومي: عن قتلى ينساهم المؤرّخ

رغم أن التوافق العام على إظهار الغرابة يخلو من الاستغراب الحقيقي, أمام اهتمام العالم بـ 12 قتيلاً في فرنسا مقابل إهماله مئات الآلاف في سوريا أو العراق أو أفغانستان أو فلسطين, فإنه لو تتبع أحد -ولا أعرف إن فعل- الحوادث التي مرت في كتب التاريخ باختصار ولا مبالاة وتتضمن نكبات كارثية وضخمة من البشر (وقتل من جيشه عشرين ألفاً, وسبى في غزوته ستين ألف امرأة, وصلب لما دخل المدينة أربعين ألفاً, وقتل في هذه الموقعة مئتا ألف .. الخ) لأمكن أن يخرج كتاباً عن ذلك.

من هذه حادثة استباحة الزنج للبصرة في 14 شوال سنة 257 هـ, في الثورة التي استمرت خمس عشرة سنة (255-270 هـ), والتي كان عمادها من العبيد الزنوج (يذكر المؤرخون مشاركة الصوماليين خاصة, هذي لصديقنا محمد ديريه) في سواد العراق, وانضم إليهم جماعات من الأعراب والفلاحين العجم, بسبب تعسف الدولة وملاك الأرض تجاههم (يذكر القاضي أبو يوسف في كتابه الخراج مستنكراً الكثير من أساليب العسف والظلم والتعذيب التي مارسها الولاة والجباة لأخذ الخراج من أصحاب الأراضي الفرس فما بالك بالعبيد السود), عدا عن كونها فرصة نادرة يمنحها التاريخ للمقهورين كي يصبحوا سادة, قبل أن تتخذ هذه الثورة ديباجة دينية شيعية على لسان قائدها الفارسي الذي انتسب لآل البيت, وإن كانت ديباجة لم تعن العمال الغاضبين في شيء, ولكن في ظل دولة ذات شرعية دينية كان لا بد للثورة أن تتخذ دعاية دينية كذلك, عدا عما في اختيار قائد غير زنجي من أمر ذي دلالة, في محاولة كسب شرعية ما ضد الدولة, وفي استغلال بؤر الغضب الممكنة ضمن الجماعات القومية المكونة للدولة.

وهذا لا يعني أن هذه الثورة اتخذت بدلاً من ذلك برنامجاً اقتصاديا كما يحاول الشيوعيون العرب أن يقنعوا أنفسهم باعتبارها ثورة البروليتاريا الزراعية على البورجوازية البغدادية والارستقراطية العباسية (وباقي الكلام المضحك), فقد كان التخريب السمة الأبرز لهذه الثورة, والانتقام من قهر السادة وثرائهم, عبر توحش مضاعف.

واتخذ الزنج من تلك الأهوار والأدغال المحيطة بالبصرة مقرات الانطلاق العصية في حرب العصابات التي مارسوها ضد جيوش الدولة, قبل أن يبنوا دولتهم الخاصة (المختارة), والمحاطة بشعاب لا تحصى من الماء والأشجار, مستغلّين معرفتهم الوثيقة بالطبيعة التي استُعبدوا فيها لنكون سلاحهم.

واستغل الأمير العباسي الموفق (الذي كان الخليفة الفعلي لا أخوه المعتمد) هذه الثورة في إضعاف الأمراء الترك في الجيش وكسر شوكتهم, وفي كسب شرعية حربية مضاعفه حين تولى هو القضاء على ثورة الزنج (مع ابنه المعتضد الذي تولى الخلافة بعد المعتمد ما بين 279 هـ – 289 هـ وكان أحد أعمدة الخلافة العباسية ورجالها النادرين), وأعدّ لمعركته النهائية على مدينة المختارة على مدى خمس سنين, هذا بالتوازي مع معركته التي فُتحت مع يعقوب بن الليث الصفّار الذي لم يلبث أن أسّس دولته الصفّارية في فارس وما وراء النهر.

وحقيقةً فإن كل ما يحيط بثورة الزنج يفتح آفاقاً من البحث والدلالات على طبيعة المجتمع العباسي والصراعات الاجتماعية والقومية والمذهبية داخلها, وعلى تركيبة الدولة وصراعاتها الداخلية (وإن كنت أتفق مع الصديق عباد يحيى في أن كثرة الأمور التي يُقال عنها إنها تستحق الدراسة أصبحت أمراً يستحق الدراسة), ولكنها اختُزلت للأسف ما بين اليساريين الذين يريدون إرغامها على أن ترفع المانفيستو, وما بين المؤرخين الإسلاميين الجدد الذين اكتفوا بكونها دعوى خبيثة هددت الإسلام وأطفأها الله.

وما أردتُ ذكره عن دخول الزنج البصرة, أنها حادثة مرت مجملة ومختصرة في كثير من كتب التاريخ, رغم فداحة الكارثة التي نُكبت بها المدينة, فقد رووا مقتل 300 ألف إنسان في يوم واحد, عدا عن الاغتصاب والتحريق والتدمير, وما لم يذكره المؤرخ كان قد حمل مهمته الشاعر, كُتبت “مراثٍ” كثيرة في البصرة وما حلّ بها وغياب المسلمين عن نصرتها وتقاعس قادتهم عن ردّ عدوان الزنج, وكانت أشهر هذه المراثي قصيدة ابن الرومي البديعة (والتي كتبت ما هو فوق بسببها), والتي سأوردها كاملة هنا لجماليّتها الفجائعية وانسيابها الموسيقي وشجنها الذي يكاد ينزّ دماً، وراهنية المأساة التي لا تنقضي عن هذا المشرق المنكود:

ذادَ عن مُقْلِتي لذيذَ المنامِ
شُغلها عنهُ بالدموعِ السجامِ !

أيُّ نومِ من بعد ما حل بالبصْرَة ِ من تلكمُ الهناتِ العظام
أيُّ نومِ من بعد ما انتهك الزَّنْجُ جهارا محارم الإسلام
إنَّ هذا من الأمورِ لأمْرٌ كاد أن لا يقومَ في الأوهام
قد رأينا مُسْتَيْقظين أموراً حسبُنا أن تكونَ رُؤيا منام
أقدم الخائنُ اللعينُ عليها وعلى الله أيَّما إقدام
وتسمى بغير حقٍّ إماماً لا هدى اللَّهُ سعيه من إمام

لهفَ نفسي عليكِ أيَّتُها البصرة ُ لهفاً كمثل لهْبِ الضِّرام
لهف نفسي عليك يا معدن الخيرات لهْفاً يُعضُّني إبهامي
لهف نفسي يا قُبَّة َ الإسلام لهفاً يطولُ منه غرامي
لهف نفسي عليكِ يا فُرضة َ البلدانِ لهفاً يبْقى على الأعوام
لهف نفسي لجمعكِ المتفاني لهف نفسي لِعِزكِ المُستضام

بينما أهلُها بأحسنِ حالٍ إذ رماهمْ عبيدُهمْ باصطلامِ
دخلوها كأنهم قِطع اللْي لِ إذا راحَ مُدْلَهِمَّ الظلام
طلعُوا بالمُهَنَّداتِ جِهْراً فألقتْ حملها الحاملات قبل التمَّام
وحقيقٌ بأن يُراع أناسٌ غومضوا من عدوّهم باقتحام
أيَّ هَوْل رأوا بهمْ أيّ هَوْلٍ حُقَّ منه تشيبُ رأسُ الغلام
إذ رموْهُمْ بنارهم من يمينٍ وشِمال وخلفِهمْ وأمام
كم أغصُّوا من شاربٍ بشراب كم أغصُّوا من طاعمِ بطعام
كم ضنينِ بنفسهِ رامَ مَنْجًى فتلقّوا جبينه بالحسام
كم أخٍ قد رأى أخاهُ صريعاً تِربَ الخَدِّ بينَ صَرْعى كرامِ
كم أبٍ قد رأى عزيزَ بنيه وهْوَ يُعلَى بصارمِ صمصام
كم مُفدًّى في أهلهِ أسْلمُوه حين لم يحْمِه هنالك حامي
كم رضيع هناكَ قد فطموه بشبا السيف قبل حينِ الفطام
كم فتاة بخاتم الله بكر فضحوها جهراً بغير اكتتام
كم فتاة ٍ مصونة قد سبوْها بارزاً وجهها بغير لثام

صبحوهُمْ فكابدَ القومُ منهم طولَ يومٍ كأنه ألفُ عامِ
ألفُ ألفٍ في ساعة ٍ قتلُوْهم ثم ساقوا السِّباءَ كالأغنام
من رآهُنَّ في المساقِ سبايا دامياتِ الوجوهِ للأقدام
من رآهنَّ في المقاسم وسْطَ الزْ نج يُقَسَّمْنَ بينهمُ بالسِّهام
من رآهُنَّ يتَخذن إماءً بعد ملْكِ الإماء والخُدَّام

ما تذكرتُ ما أتى الزنج إلاَّ أُضرم القلب أيّما إضرام
ماتذكرتُ ما أتى الزنج إلاَّ أوجعْتَني مرارة ُ الإرغام
رُبَّ بيعٍ هناك قد أرخصُوهُ طال ما قدْ غلا على السُّوَّام
رُبَّ بيتٍ هناك قد أخرجُوهُ كان مأوى الضِّعافِ والأيتام
رُبَّ قصْرٍ هناك قدْ دخلوه كان من قبلِ ذاك صَعْبَ المرام
رُبَّ ذي نعمة ٍ هناك وما تركوهُ مُحالفَ الإعدام
رب قوم باتوا بأجمعِ شَمْلٍ تركوا شملَهُمْ بغير نظام

عرِّجا صاحبيَّ بالبصرة ِ الزَّهْ راء تعريج مُدنف ذي سقام
فاسْألاها ولا جوابَ لديها لسؤال ومن لها بالكلام ؟!
أين ضوضاءُ ذلك الخلقِ فيها أين أسواقُها ذواتُ الرِّخام
أين فُلْكٌ فيها وفُلْكٌ إليها مُنشآتٌ في البحر كالأعلام
أين تلك القصورُ والدورُ فيها أين ذاكَ البنيانُ ذو الإحكام
بدِّلتْ تِلكُمُ القصورِ تِلالا من رمادٍ ومن تُراب رُكامِ
سُلِّطَ البَثْقُ والحريقُ عليهم فتداعت أركانُها بانهدامِ
وخلتْ من حُلولها فهْي قَفْرٌ لاترى العين بين تلك الأكام
غيرَ أيْدٍ وأرْجُلِ بائناتٍ نُبذَتْ بينهنَّ أفلاقُ هام
ووجوهٍ قد رمَّلْتها دماءٌ بأبي تلكمُ الوجوه الدوامي
وَطِئتْ بالهوانِ والذُّلِّ قسراً بعد طولِ التبجيلِ والإعظام
فتراها تَسْفي الرياحُ عليها جارياتٍ بهبوة وقتام
خاشعاتٍ كأنها باكيات باديات الثغور لا لابتسام

بل ألِمَّا بساحة ِ المسجدِ الجا مع إنْ كُنْتُما ذَوِي إلمام
فاسألاهُ ولا جوابَ لدْيهِ أين عُبَّادهُ الطوالُ القيام
أينَ عُمَّاره الأُلى عمَّروهُ دَهْرهُمْ في تلاوة وصيام
أين فِتيانه الحِسانُ وجُوهاً أين أشياخُهُ أولو الأحلام
أيُّ خَطْبٍّ وأيُّ رُزْء جليلٍ نالنا في أولئكَ الأعمام
كم خذلنا من ناسكٍ ذي اجتهادٍ وفقيهٍ في دينهِ علاَّم

واندامي على التَّخلُّفِ عنهمْ وقليل عنهُم غناء نِدامي
واحيائي منهُمْ إذا ما التقينا وهُمُ عند حاكم الحُكّام
أيُّ عُذْرٍ لنا وأيُّ جوابٍ حين نُدْعَى على رؤوسِ الأنامِ
يا عبادي أما غَضِبْتُم لوجهي ذي الجلال العظيم والإكرام
أخذلتُمْ إخوانكَمُ وقعدْتُمْ عنهُمُ ويحْكم قُعودَ اللئام
كيف لم تعطفوا على أخواتٍ في حِبال العبيدِ من آل حام
لم تغاروا لغيرتي فتركتُم حرماتي لمن أحلَّ حرامي
إنَّ من لم يَغَرْ على حُرُماتي غيرُ كُفْءٍ لقاصراتِ الخيام
كيف ترضى الحَوراء بالمرءِ بَعْلاً وهو من دونِ حُرمة لا يُحامي

واحيائي من النَّبيِّ إذا ما لامني فيهم أشدَّ الملام
وانقطاعي إذا هُمُ خاصموني وتولَّي النبيُّ عنهُمْ خصامي
مثِّلُوا قولهُ لكُمْ أيُّها النَّا سُ إذا لامكُمْ مع اللُّوام
أُمَّتي أينَ كُنْتُمُ إذْ دَعتْني حُرَّة ٌ من كرائمِ الأقوام
صرختْ يامُحمّداهُ فهلاَّ قام فيها رعاة ُ حقي مقامي
لم أجبْها إذ كنتُ مَيْتاً فلولا كان حيٌّ أجابها عن عِظامي
بأبي تلكُمُ العِظامُ عظاما وسقَتْها السماءُ صوْبَ الغمام
وعليها من المليك صلاة ٌ وسلامٌ مؤكَّدٌ بسلام

انفروا أيها الكرام خفافاً وثقالاٍ إلى العبيد الطغام
أبْرمَوُا أمرهُمْ وأنتُمْ نِيامٌ سوءة ً سوءة ً لنوْمِ النيام
صدِّقوا ظنَّ إخوة أمَّلوكم ورجوْكُمْ لنبوة ِ الأيامِ
أدْرِكوا ثأْرَهُمْ فذاك لديْهِم مثلُ ردِّ الأرواحِ في الأجسامِ
لم تُقِرُّوا العيونَ منهم بِنَصْرٍ فأقِرُّوا عيونهمْ بانتقام
أنقِذُوا سَبْيُهُمْ وقلَّ لهُمْ ذا ك حفاظاً ورعْيَة ً للذِّمام
عارُهُمْ لازمٌ لكُمْ أيُّها النَّا سُ لأنَّ الأديانَ كالأرحام
إن قعدتُمْ عن اللعينِ فأنْتُمْ شركاءُ اللَّعينِ في الآثامِ
بادروهُ قبلَ الروَّية ِ بالعَزْ م وقبل الإسراج بالإلجام
من غدا سرجُهُ على ظهرِ طِرفٍ فحرامٌ عليه شدُّ الحزام
لا تطيلوا المقام عن جنَّة الخل دِ فأنتمْ في غير دار مُقام
فاشتروا الباقيات بالعرض الأد نى وبِيعوا انقطاعه بالدَّوام

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s