عن أقباط مذبوحين على حافة البحر

الأقباط الذين ذبحهم فرع داعش في ليبيا هم كضحايا التنظيم المسلمين, قُتلوا مظلومين ومخذولين ودون ذنب غير توحش هذه العصابة وخروجها على الله, قبل أن تكون خارجة على الثورات والإنسانية.

وهؤلاء الضحايا المسيحيون كضحايا التنظيم من المسلمين, هم مسؤوليتنا كشعوب أو ثوار أو إسلاميين أو مجاهدين, ولعل من أكبر جنايات التضليل الذي حمله خطاب “الولاء والبراء” في استخدامه المعاصر, هو خجل شبابنا من إعلان التضامن أو التأثر أو الرفض حين يكون المظلوم أو المُصاب بكارثة طبيعية غير مسلم, رغم أن خطاب العدالة والرحمة الذي حمله الإسلام كان مقدّماً للناس وللعالمين, لقد نسينا خطاب “يا أيها الناس” و “رحمة للعالمين” دون العودة إلى خطاب “يا أيها المسلمون” أو “يا أيها المؤمنون” ولا حتى نحو “يا أيها الإسلاميون”, بل نحو دوائر أضيق تتعلق بالتنظيم الجهادي الذي نتبع له فقط.

وقبل هؤلاء العمال الأقباط في ليبيا, علينا أن نتحدث بحزن وخجل وإدانة للذات, عن الصحفييين وعمال الإغاثة الغربيين الذين ذبحهم تنظيم داعش في رسائله إلى التحالف وأنصاره المعاتيه, هؤلاء الأجانب “الكفار” كانوا متضامنين مع الثورة السورية, ومعظمهم خدمها وكان يحمل انتماء ما نحوها, الأمريكي جيمس فولي أو البريطاني آلن هينينغ أو الياباني كينجي غوتو, كلهم كانوا في مناطقنا نحن, وضمن مسؤوليتنا نحن, ولكننا لم نكن على قدر هذه المسؤولية, ونحمل وزراً من دمائهم, شرعاً وخلقاً ومروءة.

يهتم العالم بالأقليات, ويهمل دم ضحايانا, ويحمّل مسؤولية من لم يموتوا منا بعد مسؤولية مقتل القلة التي تموت من غيرنا, هذا شأنه, وإدانة ازدواجيته ونفاقه وطائفية سياساته الظاهرة, ليس أمراً نسكت عنه أو نخجل من إدانته, هذا شأنه, ومتى جعلنا “شأننا” و “رسالتنا” مجرد انعكاس للاأخلاقية الآخرين, فسنفقد قدرتنا على نؤسس منافسه أو بديله أو حتى متّهِمه.

هذه الاستهانة النفسية والنظرية بالدم, لدينا نحن الطرف المظلوم والمقتول أغلب الوقت, والثائر بالعدالة أغلب الوقت, والمستضعف والمخذول أغلب الوقت, هي نتيجة سياسية لعالم توحش و خلق وحوشاً من ضحاياه, وليست كما يُظنّ مسؤولية تراث فقهي وتشريعي, يتنادى من لا يعرفونه ولم يدرسوه ولن يفهموه إلى دعوات إصلاحه.

حتى في أكثر الضرورات إشكالية في نظرية الحرب الإسلامية, وهي فتوى التترس, كان الحديث بين الفقهاء المسلمين عن أنه فيما لو تترس العدو المحارب لنا بمسلمين أو ذميين أو نساء وأطفال المحاربين أنفسهم كأمثلة على الدماء المعصومة, فهل يجوز الهجوم عليهم أم لا في ضرورة الحرب, هذه الصيغة التي تتكرر في نقاش هذه المسألة لدى معظم من تناولوها, وحين نقرأ في كتب التاريخ عن التتار أو بابك الخرمي أو الخوارج فسنجد أن المؤرخين -وهم في غالبهم فقهاء كذلك- كانوا يتحدثون عن ضحايا “أعداء الدين” هؤلاء ذاكرين أعداد القتلى من المسلمين والذميين, كان تصوّرنا الواقعي للأمة أكثر رحابة وتعدّدية من أحلامنا الموهومة عن هذه الأمة والخلافة والشريعة بينما نعيش واقعاً مغايراً تماماً.

نحن نخاف من الاعتراف أننا موجودون الآن, ولذلك نهرب نحو تصورات حالمة مثالية وقصوى, هذه الشجاعة “الوهمية” بالجهر بـ “الشريعة”, هي في حقيقتها جبن من مواجهة هذا الواقع, جبن من الوجود في الزمن, والدخول في التجربة, وتحمل أمانة تطبيق الرسالة في الدنيا والتاريخ وبين الناس, لا في “المثال النقي” أو النموذج الخارج على كل شيء.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}

المائدة 8

{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}

الحديد 25

{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}

الأنبياء 107

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s