عن حزم والنصرة ومن لا يعرفون

 يطالبك بالكتابة من لا يعنيهم ما ستكتب لأجل أن يعرفوا ما يحصل أو ليتخذوا موقفاً أكثر وضوحاً, وإنما لأجل أن يجدوا فرصة أخرى لمهاجمتك في قضية لا يعرفون عنها شيئاً سوى أن فريقهم أدخل هدفاً في مرمى الفريق العدو, ولو كان هدفاً من نار.
هذا الألتراس أو “الأنصار” هو أخطر ما في أي قضية, وهو من يتخذ المواقف أسرع ما يمكن, وبأقصى ما يمكن, ويدافع عنها كما لا يستطيع صاحب القضية نفسه أن يدافع عن موقفه.
والأمر هنا محسوم وسهل, حزم حركة عميلة وعلمانية تقتل المجاهدين, وجبهة النصرة أعزّها الله “سحقتها” وغنمت منها أسلحة الكفار, والخلافة قادمة وسنحكم الشريعة وسنقتل المرتدين, وبعد أن تهدأ أعصابه على تويتر يعود لحياته الحديثة والغربية تماماً التي اختارها وانسجم معها.

هذا الشخص لا يعنيه أن حركة حزم بقيت تغطي كافة نقاط رباط مخيم حندرات قرابة العام, وأنها بقيت في مورك حتى بعد انسحاب معظم الفصائل -وأولها النصرة- منها, وأنها شاركت في معارك وادي الضيف والحامدية, وأن حزم دمرت أكثر من ستين مدرعة للنظام, وغنمت قرابة الأربعين, وأنها كانت حاضرة في كافة معارك حلب وإدلب وحماة, واستفادت من سلاحها -الأمريكي خاصة- كافة الفصائل بما فيها جبهة النصرة, قبل أن تستولي الجبهة على سلاح حزم بالقوة بطبيعة الحال, طبعاً تحت المسمى السحري “غنائم بيد المجاهدين”, ولا قيمة لأي حكم شرعي في حرمة المال والدم هنا, لأن “الاكليشيه” هو المرجع بالنسبة لنا لا الشرع.

وهذا الشخص نفسه, الذي يخوّن حركة حزم بكل سهولة ويبيح دماء مجاهديها بكل ارتياح ويتشفى بشهدائها بكل بهجة, هو ليس مستعدّاً لعكس الاتهامات نفسها التي يخوّن فيها حزم على فريقه (فصيله) فهو لن يسأل عن انسحاب النصرة من الشيخ نجار بينما بقيت كافة الفصائل بما فيها حزم هناك, ولن يسأل عن انسحابها من ريف حماة (مع غيرها من الفصائل) ولا عن الانسحاب من الزهراء ولا عن أي معركة أخرى حصل فيها الانسحاب لسبب مبرّر أو لغيره, لأننا لو اعتبرنا كل انسحاب خيانة لم يبق أي مقاتل شريف على الأرض من عهد الصحابة حتى الآن.
وهو نفسه ليس مستعداً أن يسأل كيف وصل السلاح والمال والتدريب الأمريكي/السعودي/الباكستاني لقادة الجهاد الأفغاني واستفادت منه القاعدة نفسها طيلة سنين, ولن يسأل عن المال الكافر الذي يؤخذ كفدية لاختطاق صحفيين كان قد أمّنهم مسلمون (والمسلمون أمة على من سواهم يسعى بذمّتهم أدناهم), ولن يسأل بالضرورة عن أسرى وقتلى الطرف الآخر أيضاً, الذي ألغى عنه بشكل تلقائي صفة المسلم والدم المعصوم, ولن يسأل عن الفائدة من زخم “معارك الاستئصال” -لا المشاكل ولا الاشتباكات- مع فصائل ثورية من جمال معروف إلى جبهة حق إلى مثقال العبدالله إلى حزم, ولماذا لا تكون المحكمة هي الحل رغم أن جميع هذه الأطراف أعلنت خضوعها لمحكمة مستقلة, بل بعضهم طلب أن يكون الشرعي العام السابق للنصرة (أبو مارية القحطاني) أو حتى المحيسني هم القضاة فيها !
ولن يمتلك هو نفسه أدنى قدر من الحياء في أن يكون هو نفسه يعيش عالة على هذا الغرب أو “الأنظمة المرتدة” حسب خطابه, وخاضعاً ومرتاحاً لكل مخترعاتها وأنظمتها وإمكاناتها, ثم يستكثر على من يُقتلون بكلّ أسلحة العصر أن يستفيدوا من هذا الغرب بسلاح يدافعون به عن أطفالهم ونسائهم وأرضهم, وكأن الرسول نفسه لا يمكن أن يكفّر بأقلّ من ذلك, حاشاه عليه السلام.

موقفي مما حصل نشرته على تويتر ساعةً بساعة, أخطأت حزم بعدم التعاون مع الجبهة الشامية وفي استفزاز الطرف الآخر دون تقدير الظرف, وقتل الشيخ أبو عيسى الطبقة جريمة لا بد من محاسبة مرتكبها في محكمة مستقلّة, المحكمة التي لم تقبل بها النصرة حتى الآن, وهجوم جبهة النصرة على الفوج 46 هو قرار كارثي, واستهتار بأرواح العناصر ودمائهم, عناصر النصرة وحزم معاً, وكان النظام الذي يحشد من حلب وإدلب وكل مكان أولى بهذه المعارك والأرتال, والاستيلاء على أسلحة الفصائل بالقوة هو سرقة وليست غنيمة, ونشر اعترافات “أبو عبدالله الخولي” بهذه الصورة بعد خمسة أشهر من اعتقاله وتعذيبه يدين النصرة قبل أن تدين حزم, وبقاء النصرة في ريف حلب الغربي هو إصرار على مضاعفة آثار هذه الكارثة.

رغم الاختلاف مع كل منهج القاعدة, فلم نعتبر جبهة النصرة عدوّاً ولا خصماً يوماً, وطالما أشدنا بمشاركتهم في المعارك إلى جانب الجيش الحر, وطالما ترحّمنا على شهدائهم واستعظمنا بطولاتهم وخجلنا أمام تضحياتهم, وطالما رفضنا تصنيفهم كإرهابيين في عالم أعور عن غير السنة, وطالما سكتنا عن عشرات المشاكل والجرائم أملاً في الإصلاح, ولكن هذا لم يفد قبل اليوم, ولن يفيد.
هناك تخبط مرعب في جبهة النصرة, وتوسيع مقصود وملحّ ومتسارع لدائرة الأعداء, خاطبنا العقلاء في الجبهة عشرات المرات, وعوّلنا عليهم عشرات المرات, ولكن للأسف الاتجاه الآخر يسيطر على سلوك النصرة الفترة الأخيرة.

يحذّرنا البعض من الاختطاف أو الاغتيال إن انتقدنا النصرة هكذا في العلن, هذا الكلام نقوله للإخوة في جبهة النصرة أمامهم -إن رأيناهم- قبل أن نكتبه هنا على الصفحات, وما زلنا نأمل من الإخوة العقلاء والمخلصين في النصرة أن يصححوا هذا النهج, ولا بارك الله في ثورة لا تنتصر إلا للطرف الأقوى أو للطرف الذي نحبه فقط, ولم نخرج في هذه الثورة لنسكت عن الظلم, هذه ثورة العدالة والحرية والإنسان, وهي بهذا المعنى قبل أي معنى آخر انتصار للتوحيد ولشريعة الله, كانت وستبقى.
وقد رضينا أن نحيا وأن نموت في هذا الطريق, وقد خاب من حمل ظلماً… أو حماه.. ولو بالصمت.

الفتنة ليست نائمة, نحن النيام بينما تتضاعف آثارها وتتراكم مظالمها ويتسع الخرق على الراقع, يتسع جدّاً.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s