عن أخطائنا التي لم نتعلمها في حلب

كان الخطأ الأول طبعاً, وهذا الأكثر بدهية, هو السماح بوجود مقرات لداعش في الأساس, منذ نيسان 2013م, وعدم وضع حد لاعتقال الثوار والتمدد داخل المدينة والريف, بل والتخاذل المجرم عن نصرة الفصائل التي تعرضت لهجوم استئصال من قبلهم (كتيبة مصعب بن عمير, لواء عاصفة الشمال, … الخ) , حتى تضاعفت فاتورة الدم والخسارات لما حصلت المواجهة الحتمية التي لا بدّ منها, بسبب الشعارات القاتلة (الفتنة, طعن المجاهدين, إخواننا ..الخ), وعدم تحصين عناصر الفصائل ضد الغلو وتدعش المنهج وتغلغل داعش في قلوبهم وعقولهم.

كان الخطأ الثاني لنا في حلب بداية 2014م , مع الحرب الموسعة التي طردت عصابة داعش من الريف الغربي والمدينة والريف الشمالي والريف الشرقي, قبل أن يستعيد الدواعش (الباب, منبج, جرابلس) في الريف الشرقي ويتمدد بعد ذلك حتى الراعي في الريف الشمالي, وتم تثبيت هذا الخط كخط رباط دون استغلال الهبة الفصائلية العامة ضد التنظيم لاستكمال طرده من هذه المناطق, ولا استغلال الفترات شبه الهادئة على جبهات النظام فيما بعد ذلك, ولا مؤازرة جبهة دير الزور التي بقيت خمسة أشهر تناشد فتح أي جبهة مع التنظيم من أي مكان لتخفيف الضغط عنها, حتى استطاع التنظيم تثبيت مواقعه وتحصيناته هناك والتجهيز للاقتحام من جديد, كما لا يتوقّع منه غير ذلك إلا المجانين.

كان الخطأ الثالث لنا في حلب, والأكبر بعد تراكم الخبرات والتجارب كما يفترض, في آب 2014م, حين اقتحم التنظيم بشكل مباغت بلدات الريف الشمالي (اخترين, تركمان بارح, احتيملات, دابق, ..الخ), وسقطت هذه القرى دراماتيكيّاً بعد تسلل الدواعش من نقطة أخلاها أحد الفصائل, استشهد حينها قرابة أربعين مجاهداً معظمهم من صقور الشام (قبل اندماجهم بأحرار الشام), وأرسلت المؤازرات إلى الريف الشمالي لوقف تقدم الدواعش, واستعيدت مناطق ثانوية منهم, و قُتل وقتها والحمدلله عدد جيد من الدواعش, وتم تثبيت خطوط الرباط مرة أخرى رغم وصولهم إلى حدود مارع التي تحولت إلى جبهة رباط مع الدواعش, بدلاً من أن تكون لرمزيتها وأهميتها الاستراتيجية آمنة العمق حتى مسافة كافية بعدها, وأصبح الدواعش على مرمى سهم من قطع طريق ريف حلب الشمالي ومن معبر باب السلامة الحدودي, واستمر ذلك عشرة أشهر دون أي عمل هجومي على داعش التي كانت ترسل تباعاً مفخخاتها إلى الريف الشمالي, وتحشد باستمرار للاقتحام, والتي مرت بلحظات ضعف ونكوص وسحبت في بعض المراحل معظم مقاتليها وسلاحها من الريف الشمالي والشرقي, وعرفت الفصائل ذلك ولم تتحرك.

حتى حشد الدواعش منذ يومين وسيطروا حتى الآن على الطوقلي والبل وصوران اعزاز ومواقع متفرقة صغيرة, وأصبحوا يهددون بشكل أقرب من أي وقت مضى بلدتي مارع واعزاز بل الريف الشمالي كله, ما أظهر هشاشة تقدير خطر داعش أو تحصين خطوط الرباط ضدها, خاصة مع انشغال الفصائل بالتجهيز لمعركة “فتح حلب”, التي أهملتْ -يا للغرابة الأسطورية- وجودَ داعش ولم تقدّر أولوية قتالها وتأمين حلب من غدرها إلا متأخرة للأسف.

رغم أن انتصاراتنا في إدلب وتجهيزنا لمعركة كبرى ضد النظام في حلب ينبغي أن يجعلنا موقنين أن داعش ستتدخل, سموها مؤامرة أو استغلالاً أو محض نذالة, المهم أن هذا درس تكرر عشرات المرات وكان ينبغي فهمه.

منذ الصباح تتوافد المؤازرات إلى ريف حلب الشمالي, حيث كانت ترابط الجبهة الشامية (الإسلامية) بشكل رئيس وطالما استنزفت هناك.

تصل المؤازرات تباعاً, وتجهّز مؤازرات أخرى, من معظم الفصائل في المدينة والريف الغربي والشمالي, وحتى من فصائل إدلب وحماة, وكان أضخم المؤازرات حتى الآن رتل أحرار الشام الذي كان على رأسه القائد العسكري للحركة الأخ أبو صالح طحان, إضافة طبعاً إلى جبهة النصرة وتجمع فاستقم وكتائب ثوار الشام وجيش الإسلام وفيلق الشام وحركة الزنكي وغيرها, فضلاً عن شباب دير الزور الزلم الخشنة وآساد الأرض الذين يمرغون أنف الدواعش تحت التراب أينما حلّوا كما يشهد لهم الجميع. والوضع جيد حتى الآن وشبابنا يتقدمون باستمرار والعضب المقدس من غدر هؤلاء بعد انتصارات إدلب يجتاح شبابنا والحمدلله, وإن كان ما زال حتى الآن أدنى من المطلوب وهو التعبئة العامة لكل الفصائل ضد داعش.

ولكن ما علينا أن نحذر منه هو الخطأ الرابع, والذي سيكون قاتلاً هذه المرة, لا للريف الشمالي ولا لحلب بل لعموم الثورة في الشمال, والتي ستجعل كل انتصارات إدلب الأخيرة بلا معنى, فيما لو كان هدف المؤازرات استعادة القرى التي أخذها الدواعش منذ الأمس فقط, وتثبيت خطوط رباط, والعودة فيما بعد إلى التخطيط لمعارك ضد النظام المنهار وكأن داعش عدو ثانوي وسيجلس هادئاً كالولد المؤدب.

لقد آن الأوان الآن أن نتعلم من الدروس الألف التي لقنتنا إياها داعش دون خجل ولا مواربة في السنتين السابقتين, ونتخذ قتال داعش عقيدة وأولوية وشرط ضرورة لقتال النظام, بل للحياة نفسها, ونؤمن كما نرى الشمس أن داعش أينما وجدت فهي خنجر غدر معدّ لاغتيال الثورة وقتل المجاهدين.

إن الحدّ الأدنى المطلوب الآن هو إعادة داعش إلى ما قبل الراعي, كخطوة أولى لطردهم من كامل الريف الحلبي كمعركة لاحقة, والإمكانيات والأعداد التي جهّزت لمعركة فتح حلب كافية لهذا الهدف, عدا عن ضرورة مؤازرة فصائل إدلب وحماة لهذه المعركة لحماية منجزاتها الأخيرة, عدا عن واجبها الثوري والديني في حماية الثورة وقتال عصابة داعش.

يتقدم الأكراد باستمرار في ريف الحسكة وريف الرقة, وينسحب التنظيم من تلك المناطق دون معارك عنيفة خوفاً من تكرار مذبحة كوباني, وهو يحاول أن ينشئ متنفّساً آخر للحدود التركية من مناطقنا, عدا عن محاولة التعويض الإعلامي عن الخسائر لأنصاره المعاتيه (أمثال وائل عصام) باعتباره يواجه المرتدين (نحن), وإنقاذ النظام من الانهيار التام في الشمال, حتى لا تتوسع مساحة الثورة وقوة الفصائل مقابله, عدا عن النذالة والقذارة المحضة طبعاً.

هل ننتظر الخطأ الرابع, الخطأ القاتل, أم حرب التحرير ضد داعش في حلب, حرب الوجود وشرط الثورة البدهي, هذا السؤال في مرمى فصائل غرفة عمليات فتح حلب وجيش الفتح والأيام القادمة.

والسلام على أطهر المجاهدين, وأرفع الثوار قامة وشجاعة وبهاء, رجال الله الذين يصدون عدوان داعش في ريف حلب الشمالي, سلام سلام.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s