كريستوفر نولان: أسرار الكون في غرفة الفتاة

كريستوفر نولان في السينما هو كأم كلثوم في الطرب وكالمتنبي في الشعر وكمايكل آنجلو في النحت, في كلّ مجال ثمة حدود للإمكان لا يفرضها المجال نفسه, بقدر ما هي ممكنات العاملين فيه, أم كلثوم كانت هبة سماوية للموسيقيين والملحّنين والشعراء في زمنها, لأن صوتها الجبّار أتاح لهم أن يختبروا -للمرة الأولى- إمكانات الغناء إلى أقصاها، وما زلنا حتى الآن نجلس متواضعين وحالمين كل ليلة تحت هذا السقف العبقري العالي لصوت أم كلثوم، والتي أعتقد أنها كانت آخر “عبقرية” حقيقية أنتجتها مصر للعالم.

نولان لدى صنّاع السينما وجمهورها يأخذ دوراً شبيهاً, لكنه موسع أكثر لأنه تمدّد إلى “مجالات” أخرى, لم يتعامل نولان مع السينما باعتبارها “زمن الصورة” وإنما باعتبارها “تحقّق المتخيّل”, أخذ نولان ممكنات التقنية والخيال هذه إلى أقصاها, مرّة في الجريمة ومرة في السايكولوجيا ومرة في السحر ومرة في فكرة الحلم، وفي فيلمه الأخير “Interstellar” أخذ ممكنات العلم نفسه (الفيزياء الحديثة تحديداً)، ولكن ليس وحده، بل مع خيال العلماء وأحلامهم فيه أيضاً، أخذها إلى أقصى ما تخيّلوه “كنظريّات قادمة” و “صوّرها”, والتصوير هنا في إحدى معانيه الخلق.

وقد يكون النقاش محقّاً هنا، في تفوّق نولان, هل هو في السينما أم في تقنيات السينما، هل مثّل نولان أقصى “إبداع السينما”, أم أقصى مايمكن للتقنية السينمائية أن تبلغه, مشفوعة بإبداع سينمائي لا يُنكر. النقاش هنا قد لا يكون حول نولان، بقدر ما هو حول تعريف السينما نفسها، هذا المجال الوليد في حضارة الإنسان، والذي سرق من جمهور وإمكانات المجالات الأخرى، من الأدب إلى الصورة, والذي أضحى في زمننا قريباً من ثقب أسود، يمتصّ إبداعات الثقافة والحضارة الإنسانية المتداخلة لتقديمها في صورة تصنع مخيال ومشاعر مئات الملايين من جمهورها العابر للقارّات، هذا عموماً أحد النقاشات الأثيرة في سوسيولوجيا الثقافة.

لا شكّ أنه ليس الغرض هنا القول إن نولان هو “أعظم المخرجين الأحياء”، ولا أنا أراه كذلك، ولكن في كلّ مرة يعلن نولان عن فيلم جديد له، يترقّب الناس -دون أن يعرفوا شيئاً عن الفيلم- ما هو فوق الواقع، فوق المعتاد، ويترقّب صناع السينما الآخرون إحراجاً آخر لإمكاناتهم, في التخيّل والبناء والصورة والتقنية، وهذا ما قصدت.

في Interstellar دراما المتخيّل المقنعة هذه، وهذا للمرّة الأولى يصبح ممكناً في فيلم خيال علمي، ثمة لحظات قد تبكي فتاةً أو أباً أو حتى شاباً، ولكن الفريد في “الجمهور المتخيّل” الذي أراده نولان في الفيلم، هو أن علماء فيزياء كبار، يدخلون في جامعاتهم بهيبة كجنرالات الحرب، كان عليهم أن يتسمّروا أمام الشاشات ويبتهجوا كأطفال, أو يبكوا كأطفال، لأنهم يرون مخيالهم لعقود وقد “تصوّر”، ورآه الناس.

في الحقيقة لم أرد الحديث عن نولان, فهذا يحتاج مقالاً مطوّلاً, ولا عن interstellar نفسه, لأن هذا يلزمني بالعودة لكتب الفيزياء الحديثة في مكتبتي والتي طال العهد بها، ولكن حين شاهدت الفيلم مؤخّراً، ومؤخّراً هنا لا لأنّي لست مهتمّاً بالأعمال العظيمة التي أثق أن نولان سينجزها، وأنا لا أخفي هذا الهوس لديّ بالسينما كما بالسماع كما بالأدب كما بالنساء الجميلات (وهذا الأخير مشترك إنساني مهما تطاهر على العلن المنافقون)، ولكن لأنه ليس لدينا في المحرّر خدمة سينما بطبيعة الحال (كأشياء كثيرة)، ولكثرة الانشغالات، وحتى توفّر لدي بجودة تليق.

المهمّ أنني أردت القول فقط, إن جملة عبقريّة في خاتمة الفلم، أعتقد أنها كانت البداية الحقيقية التي أنجز نولان فيلمه (والذي استغرق منه سبع سنوات كما صرّح) بوحي منها, ولأجل أن يقولها, رغم ثانويّتها بالنسبة لموضوع الفيلم، وذلك حين يكتشف ماثيو ماكونهي في البعد الخامس ما كان من بداهات البعد -أو القرب- الأول:


لقد كانت كلّ أسرار العالم في غرفة نوم الفتاة !

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s