عن طه عبد الرحمن ووائل حلاق وضرورة الفصل

الكثيرون بدؤوا يحتجون بكتاب وائل حلاق “الدولة المستحيلة” على خطاب الإسلاميين, مستندين في ذلك أن هذه الفئة من المثقفين الإسلاميين هي من روّجت لكتب وائل حلّاق الذي تولّى مهمة الرد على الخطاب الاستشراقي حول التشريع الإسلامي, وأنشأ تيّاراً مستقلّاً من تلامذته مقابلاً لتيار جوزيف شاخت وجولدزيهر, وألّف في ذلك عشرات الدراسات والأبحاث لهدم الأساطير الاستشراقية حول هذا التشريع ومحاولتهم سلبه حقّه من الأصالة والإبداع والتنوّع والتعقيد.

الغريب هو أن الكتاب لم يترجم بعد للعربية, فالواضح أن معظم من تكلم عنه لم يقرأه بعد وإنما اكتفى بفهم أن الدولة الإسلامية دولة مستحيلة, عدا عن أن هذا الاحتجاج على هذه الفئة من الإسلاميين بالذات وكأنه احتجاج محرج على طريقة “أستاذكم يقول ذلك” المراهقة, يتناسى هنا أن هذه الفئة لا تتعامل مع كل قراءة باعتبارها تبعية, لأن هذه الفئة التي روّجت وشجّعت على تداول كتب وائل حلاق هي نفسها تعرف أنه مسيحي, أي أن التعامل مع وائل حلاق كان التقدير المعرفي والبحثي ووعي المسافة والاختلاف, وليست تبعية المريد التي لا زلنا حتى الآن نتعامل مع كل قراءة أو تلمذة على أنها ستكونها.

لا زلنا نتعامل مع أي تفاعل على أنه انفعال, هذا خطير, ولا يؤسّس فكراً.

***

الإشكال الذي يتمّ التأكيد عليه عادةً بين ما هو عملي ونظري، يستنسخ نفسه داخل المعالجة النظرية لأي مشروع ذي أساس فكري وتحقّق عملي, وهذا لصيق بمسألة الدولة, حيث يتمّ الخلط بين ما هو معرفي (ابستمولوجي) وبين ما هو حركي، فيتمّ نقد الكلّيات المؤسسة لمشروع ما نظري، حسب الضرورة السياسية الراهنة.

هذا كان واضحاً في التعامل مع كتاب طه عبدالرحمن “روح الدين”، وكتاب وائل حلاق “الدولة المستحيلة”.

يتحدث طه عن بناء الدولة على أساس “عقد أخلاقي” متخيّل, كأسطورة مؤسسة للدولة, مقابلة للعقد الاجتماعي المؤسّس لدى الليبراليين أو العقد الاقتصادي المؤسس لدى الشيوعيين, ويعترف هو نفسه إن طرحه إنما هو في إطار النظرية الكلية, وغير المشروطة بتحقق علمي, إذ ليست مهمة الفيلسوف أن يطرح الواقع بل المثال, ليس ما يمكن بل ما يجب.

ومشروعه وإن كان مكتوباً كنقد للإسلام السياسي والعلمانية, إلا أنه ليس مكتوباً ليتم تداوله في مجال الأحزاب السياسية, بقدر ما هو في مجال الفلسفة السياسية والأخلاقية, وطرح إمكان آخر لتأسيس الدولة والمجتمع, وكمساهمة في الحوار الأخلاقي الذي يصبح محور نقاشات ما بعد الحداثة, لكن على نحو خجول ومتواضح مقارنة بمحورية الحرية أو العقل أو المادة في مراحل سابقة.

داخل هذا الحوار نفسه, وضمن المجال نفسه, يطرح وائل حلاق رؤيته للدولة الإسلامية باعتبارها “دولة مستحيلة” وكنقد للحداثة قبل أن يكون نقداً للإسلاميين, على عكس ما استعجل بعض من احتفلوا بالكتاب قبل قراءته.

وكتاب وائل حلّاق يطرح إمكاناً ابستمولوجيّاً آخر لتأسيس الدولة والمجتمع, بل العالم على أساس أخلاقي, يكون الإسلام هو الأقدر على المساهمة فيه, بينما لا يمكن لهذا الإسلام, بل لا يمكن للحداثة أن تناسب مفهوم الدولة في الإسلام, وهذا طرح في الإطار الكلّي النظري, ولا يدعو لمشروع حركي راهن، أي أنه لا يتكلم عن عدم مناسبة “الإسلاميين” للدولة الحديثة أو يدعوهم لمقاطعة الديمقراطية ما استدعى ردّ الشنقيطي ونقده لأطروحة الكتاب، ولا عن أن طرح “داعش” كما تندّر بعض الأصدقاء يبدو هو الحل من وجهة نظر حلّاق.

من الممكن طبعاً القول, إن وائل حلاق نفسه وطه عبد الرحمن أيضاً قد احتجّا بحجج “حركية” لإثبات منظورهم الكلّي, موضوع استحالة فصل السلطات لدى حلاق واحتمالات الانحراف الأخلاقي لدى طه, وهذا يعطي الحقّ لصاحب مشروع حركي الآن أن ينتقد منظورهم الكلّي بالأسلوب نفسه، ليست المشكلة هنا هي نقد ما هو معرفي بما هو حركي لأجل مشروع سياسي راهن, وإنما تصوّر أن نقد الابستمولوجي (وأعتذر على تكرار استخدام الكلمة) بحجج تحقّقه الراهن كافٍ لنقضه, وهو أساساً يحاور في إطار نظري وكلّي مختلف، في إطار الممكن النظري لا الحتمية -أو السببية- العملية, وفي مجال الفلسفة لا الايديولوجيا.

يتمّ الردّ على هذا بأسئلة/إجابات حاهزة عادةً لإنهاء النقاش بثقة, وهو: هل يمكن الفصل ما بين الأساس المعرفي والمشروع السياسي؟, هل يمكن الفصل ما بين فلسفة الديموقراطية وآلياتها ؟, هل يمكن الفصل ما بين الجمال والقيمة في الأدب؟

والمفترض هنا أن نقول لا ونعود للقناعات الواضحة, ولكنني أعتقد أنه “نعم”, يمكن الفصل بين كل ذلك، ونحن نمارس كل ذلك كقناعة أو كاحتيال في خياراتنا العملية أو أذواقنا الفنّية أو تحليلاتنا الفكرية.

أمر جميل ومريح أن تكون الحياة مفهومة، وضمن نسق أحادي منغلق على نفسه وواضح ومفهوم, ولكن الحياة ليست كذلك, ولا الفكر.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s