الإسلام كبحث عن الغرابة

الإسلام بالنسبة لكثير من الشباب المتحمسين للجهاد, كائن ليس أقلّ غربة وغرابة من الغرب أو الديمقراطية أو غيرها من الأسماء التي تتخذ بعداً ميتافيزيقياً سحرياً, تلك الأسماء تحضر في الوعي باعتبارها ما يتكلّم عنه الآخرون, وما يفسّره الآخرون.

الإسلام أيضاً, لمن اقتنع أن حياته كانت منفصلة عنه, وخالية منه, حياته كغرد وكمجتمع وحتى كدولة, سيتعامل مع الإسلام باعتباره كلّاً كاملاً سيحلّ على الحياة ويقلبها, من خلال “تطبيق الشريعة”, الكلمة الأكثر تأثيراً في هذا المقام, وتطبيق الشريعة هنا كلمة ندعو إليها ونقاتل لأجلها, لكن تأويلها وشرعية تطبيقها متروك للآخرين, الذين لم يتلوّثوا بحياتنا المنفصلة عن هذا الدين.

ولذلك, فكلّما حمل تطبيق الشريعة قطيعة من نمط ثقافي, قبل أن يكون معرفيّاً, مع حياة هذا الفرد المجاهد, فسيراها أكثر لصوقاً بتصوّره عن الإسلام نفسه, ككينونة كانت منفية عن حياته, ومرتبطة بما هو جديد, وبما هو سرّي يفسّره “أهل العلم”, الذين يملكون شرعية (قدسية) أعلى كلما ارتبطوا بهذه الغربة, والمسافة الفاصلة عن مجتمعه وثقافته وذاكرته.

تطبيق الشريعة, أسوة بنزعات التمرد الشبابية, يبحث عمّا هو سحري هنا, عن الغرابة, عن القطيعة, لا عن التأصيل أو التنزيل أو التأويل المتعلق بالتشريع والواقع.

هذا ليس متعلّقاً بنزعة التمرد والثورة لدى الشباب بالضرورة, لأن هذه النزعة لا تفرض مسارا واحداً, بقدر ما تبحث عن المسار الذي يتسق معها (حتى نحن لم نصبح شيوخاً بعد).

وما سمح لنزعة التمرد والثورة أن تتخذ مسار القطيعة هذا, هو اضمحلال معرفي قبل أي شيء, يمكن الكلام هنا عن نمط التعليم أو عن خطابات سائدة تشجع السلبية تجاه الثقافة والتعلم أو حتى عن انتشار الفقر مسايرة للتحليل اليساري الأكثر سطحية…
ولكن ما يحصل هو أن هذا الشاب المتحمس لتطبيق الشريعة حسب نموذج “داعش”, والذي ينتمي غالباً لفئة الشباب المتدينين حديثاً والمتسلفين حديثاً مع الثورة, لم يكن قد دخل في نقاش أو تدارس حول الإسلام من قبل, لا على المستوى الفقهي أو الفكري أو السياسي, أي أنه لم يقم علاقة علمية أو تفكّرية مع الدين الذي وجد نفسه فيه, لم يتلقّ تعليماً شرعيّاً, ولا قرأ كتب التراث أو الفكر الإسلامي, ولا دخل في نشاط سياسي مع تيار إسلامي, ولا بحث في نقاشات الإسلاميين أو المتكلمين أو الفقهاء, فالإسلام هنا فكرة غائبة فعلاً, وغير متخيّل أنها تضمّ تنوّعاً وتأويلات أو تداخلاً مع حياتنا ما قبل تطبيق الشريعة.
والتأويل الذي يتسق مع غربة هذه الفكرة وضبابيتها سيكون مقدّساً, وبالضرورة مرتبطاً بشخص -مؤوّل- هو أيضاً يتسم بهذه الغربة والمسافة عن الواقع الذي كان فيه, والذي اقتنع أنه -الواقع- في غربة وقطيعة تامة مع الإسلام.

يمكن أن نناقش طويلاً هل ثمة جدوى للرد العلمي على داعش أم لا,و هل قامت داعش أساساً حول النظرية أم حول القوة, ولكن قابلية الشباب لبيعة داعش والترويج لهذا النمط باعتباره تطبيقاً للشريعة, يحتاج تفسيراً نظريّاً وعلاجاً تثقيفيّاً قبل أي شيء.
هذه محاولة في الفهم النفسي وجذوره الثقافية, لهذه القابلية المنتشرة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s