عن العنف والسلطة والأكثرية والأقليات

إحدى تمييزات حنه أرندت المهمة بين العنف والسلطة ( في كتابها “في العنف”)، هي أن السلطة -ديمقراطيةً كانت أم ملكية أم حتى استبدادية- إنما تعتمد على العدد وتحتاجه. أما العنف فهو يعتمد على الأدوات (أدوات القمع، السلاح) ولا يهمه العدد إلا بقدر ما يحمل أدوات.

هذا التمييز مهمّ في نقض أوهام كثيرة حول دور الحاضنة الشعبية في عدم إمكان استمرار حكم داعش مثلاً، بسبب أن فكرها “شاذ” عن هذه الحاضنة، لأن هذا الحضن الحنون ما دام لا يحمل السلاح فهو ليس مهمّاً ببساطة، وهذا ما كان تنظيم داعش واعياً له فاختار أهدافه بدقة من الثوار باعتبارهم منافسيه الوحيدين على شرعية القوة.
ومن الذي يهتم بالحاضنة الشعبية فعلاً ؟!، ربما الجيش الحر وحده من تأثر بهذه الحاضنة باعتباره الأقرب والأكثر تداخلاً معها، وباعتبار جرأتها البالغة عليه، في مقابل الخضوع المجاني لسواه.

وهذا التمييز مهمّ أيضاً في مساءلة التقسيمات العددية للجماعات (الطائفية/القومية/الاجتماعية/الفكرية…الخ) في سوريا أيضاً ما بين أقليات وأكثريات.
إن أقلية تحمل السلاح أمام أكثرية عزلاء لم تعد أقلية حقّاً، وما حصل في سوريا هو سيرورة متراكمة ومتسارعة من تسلّح الأقليات (وكثير منه متوقّع مسبقاً بالنظر للخطاب الهوياتي العدمي -الذي وجهته التنظيمات السلفية الجهادية خاصة- ضد فئات محايدة أو لم تكن مسلحة على الأقل)، مع سيرورة مقابلة أيضاً من نزوج وهجرة أبناء الأكثرية، عدا عن الحياد (حياد الفعل هو المهم هنا حتى لو كان ثمة معارضون بقلوبهم) نسب عالية من هذه الأكثرية ممن ما زالوا يعيشون في المدن التي تحت سيطرة النظام (دمشق، حلب الغربية، حماة، حمص، درعا المحطة … الخ).
أي أن الأقليات والأكثريات إن كانت معتبرة في الانتخابات لكون كل “مواطن” بمثابة “فاعل سياسي”، فإن الأمر لا يكون بذات النسب ولا المقياس في الحرب، حيث المهم هو الفاعل العسكري، والفاعل السياسي/الاجتماعي/الديني (…الخ) مهم بقدر ما يؤثر على قوة وعدد الفاعل العسكري.

إن حاضنة الثورة السورية العظيمة كانت الأوسع والأعلى نسبة بين معظم ثورات التاريخ، ولكن بعد أربع سنين من اتخاذ الثورة صفتها الطبيعية والمنطقية والتاريخية كحرب (الثورات السلمية هي الشذوذ فعليّاً، هذا إن حصلت)، فالثوار الفاعلون قد غدوا أقلية وتتناقص، ومطلوب منهم أن يواجهوا كل أقليات الوطن، وأكثرية المجتمع الدولي.

عموماً لا خيار آخر، واجب الثأر والثورة والبلاد كان -ولم يزل- أثقل من ترف الانتقاء، هذا طريق اخترناه وسنكمله سواء رأينا النهاية وجدوى الرحلة أم لم نرها، نحاول مُلْكاً أو نموتَ فنُعذرا.

واللهم من المخجل ان نسألك ألا تؤاخذَنا بما فعل السفهاء منا، فقد سكتنا عنهم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s