خطاب العوام كمشروع سلطوي

مصطلح “العوام” إحدى ركائز الخطاب “السلفي” بالعموم، والسلفي الجهادي خاصة، وإن كان مستخدماً في الخطاب الإسلامي التقليدي، كدلالة على فرق ما بين العلماء وغيرهم، فإن تحوّلاً في الدلالة رافق تحوّل الذات المخاطِبة وموضوعها وبالتالي التراتبية الطبقية المستهدفة منه، ليكون ذا دلالة سياسية-سلطوية، لا كدلالة على المرتبة العلمية وحسب كما استخدمه الإمام الغزالي مثلاً في “إلجام العوام عن علم الكلام”.

وهنا اشترك الغزالي وابن رشد كلاهما في اعتبار مساحة من المعرفة خاصة بالنخبة ومن “المضنون به على غير أهله” وهذا اسم كتاب منسوب للغزالي على غير يقين، إلا أن المفارقة هنا أن اعتراض ابن رشد الرئيس على الغزالي في “فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال”، كان بالضبط على أن الغزالي لم يلتزم بأرستقراطية الحكمة وسعى إلى نشرها، نشر الفلسفة والتأويل خاصة ما بين “العوام”.
وغضّ النظر عن هذه المفارقة إحدى خيانات التنويريين العرب، الذين اعتادوا المقابلة بين الغزالي وابن رشد باعتبارها مقابلة بين الخرافة والعقلانية، وبين التقليديين المستبدين والتنويريين المنفتحين.

وعودة إلى التنظيمات السلفية والجهادية الراهنة، فإن استخدام المصطلح في الخطاب التعبوي أو التنظيري للتنظيمات التي تحمل مشروعاً سياسيّاً، هو ذو دلالة سياسية بالطبع، عدا عن محمولاته النفسية التي يغذّى بها أعضاء التنظيمات (التفوق والاستعلاء).

إن الانتقال من “الشعب” أو “المواطنين” أو “الأمة” إلى “العوام” في الحديث عن جمهور المشروع أو موضوعه أو “آخَره”، ليس انتقالاً محض لغوي، بقدر ما أن اللغة ليست محض أصواتها، بقدر ما هو انتقال في النظرية السياسية، وفي التقسيمات والتراتبية السياسية والرمزية المطلوبة أو ذات “الشرعية”.

حيث يصبح في عقيدة هذه الفئة التي تمتلك حقّ تصنيف الآخرين على أنهم “عوام”، أن كونها في مرتبة السلطة (السياسية والرمزية) هو بمثابة معطى طبيعي وحقّ جوهراني غير خاضع للمساءلة أو النقد أو التداول.

ولا يماثل هذا الأمر استخدام “المدنيين” في الخطاب الثوري، بمقدار ما أن خطاب الثورة هذا خطاب حرب وتقويض، لا خطاب بناء لمشروع سياسي ناجز نظريّاً.

والطريف، ولكنه بالذات ما يمنح هذا الاستخدام دلالته وفعاليته، أن “الجيش الحر” بالعموم، أو ما ليس جهاديّاً وسلفيّاً، يُدرج عادةً ضمن هؤلاء العوام، وتجرّد -بسهولة الحقيقة- الفئة الأكبر من الفاعلين الثوريين والاجتماعيين من حقّها في قول رأي أو شراكة حكم، باعتبارها من “العوام”، الذين يُطلب التسامح معهم والرفق بهم بالتأكيد، وهذه (التسامح والرفق) من الشعارات التي طالما يُشاد بها في الفضاء العام وتُعتبر مرونة وتواضعاً ورحمة، ولكن اعتبار أنك أنت من “تتسامح” وتتنازل للآخر، يتضمن كونك ذا الحقّ والمرتبة الأعلى بشكل طبيعي، أي أن خطاب التسامح هو خطاب سلطة بالأساس.

..
على الهامش، فإن هذا كان مأخذ الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس على “التسامح” باعتباره تأكيداً للقوة والاستعلاء، من خلال درارسته لظهور مصطلح التسامح في الفضاء السياسي بعد حرب الأعوام الثلاثين (1618م- 1648م)، بين الكاثوليك والبروتستانت (وتوسعت الفئات المشتركة في الحرب وأسبابها تباعاً)، واستخدامه لتأكيد انتصار المنتصرين، ومنح المهزومين صدقة “التسامح” معهم، والذي لم يعن منحهم الشخصية القانونية الكاملة مع هذه الصدقة، وفيما بعد استخدامه السياسي، سيكون الفيلسوف الإنكليزي جون لوك (1632م-1704م) في “رسالة في التسامح” من استدخل التسامح في الخطاب الفلسفي والفكر السياسي الأوروبي.
ولأجل ذلك تجاوز هابرماس المصطلح، ووضح محلّه “التواصل” كبديل عن التسامح يحقق مساواة أكبر بين المتواصلين، واعترض الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن على كلّ من التسامح لنقص الندية فيه والتواصل بنقص القصدية الأخلاقية فيه، واقترح في كتابه “الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري” بديلاً عنهما “التعارف” كمفهوم قرآني يقتصر على التعاون الاخلاقي على الخير.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s