نام وحيد البلعوس ملء جفونه… ويسهر الخلق

اغتيال الشيخ وحيد البلعوس حدث مفصلي في السويداء، وله تأثير مباشر على سلطة النظام وخارطة سيطرته، وتأثير بعيد المدى على شكل الحلّ السياسي المفترض، والمتهم شبه الوحيد هو النظام الذي واجه مقاومة من البلعوس في تذويب الدروز ضمن منظومته السلطوية ومعركته الصفرية.

عمل البلعوس على تشكيل سلطة مرجعية مستقلة عن النظام في السويداء، واستطاع منذ قرابة العام وخلال وقت سريع التمدد في كامل قرى السويداء، وتكوين حراك مدني وعسكري لا يتجاوز النظام وحده، وإنما يتجاوز سلطة مشيخة العقل أيضاً (والتي أصدرت بياناً ضد البلعوس)، دون أن يصادمها علانية.

لم يكن وحيد البلعوس ثوريّاً، باعتبار أنه هو نفسه لم يعلن ذلك أو يخترْه، ولكن لا شك أنه كان معارضاً صلباً للنظام وجهازه الأمني، وهو من رفض علانية تجنيد شباب السويداء ضمن الجيش أو الدفاع الوطني، ورعى وحمى المظاهرات السلمية ضمن المدينة، عدا عن مركز رمزيته وسلطته الذي نجح فيه إلى حدّ كبير في حياته، ولكن نجاحه اكتمل حقّاً بعد اغتياله: وهو تشكيل سلطة محلية مرجعية مستقلة عن النظام في السويداء، وترعى مصالح المدينة سواء ضد تغول النظام أو ضد دخول قوة أخرى إليها (سواء كان الجيش الحر أو النصرة أو داعش، وإن كان الطرفان الأخيران يدفعان بتبني خطاب “طوائف الردة” إلى تسلّح الأقليات عامة)، ضمن خطاب حرص أن يكون وطنيّاً.

كانت خطة النظام إضافة إلى التجنيد الإجباري في المدن (السنية)، إقناع الأقليات أنه خط الدفاع عنهم واستدخالهم ضمن منظومته العسكرية في حرب استئصال الثورة المستحيلة، وهو الأمر الذي عارضه البلعوس، بحكم تبني نسبة كبيرة من أبناء السويداء خيار الحياد القلق (بمعنى أنه ليس حياداً صلباً وإنما يتأثر بالظروف المحيطة)، وبحكم وجود هوية محلية وجماعة متماسكة سابقة على الدولة، وهذا أثار حنقاً مضاعفاً لدى النظام، لأنه تهديد لسرديته في حماية الأقليات من الداخل.

خلال 24 ساعة، نجح “حراك الكرامة” في فرض سلطة الأمر الواقع في السويداء، والسيطرة على الأجهزة الأمنية، وتسمية هيئات إدارة محلية موحدة، وهو ما لم ننجح به في مناطق الثورة خلال أربع سنين ونصف حتى الآن، وإن كانت ديمومة هذه السلطة المحلية الموحدة في رهان الأيام أو الأشهر القادمة، بحكم عدم تبني مشيخة العقل لموقف موحد إزاء التطور هذا.

لا شكّ أن ملفّ أبناء حوران المخطوفين في السويداء (وهو ما قابلته حوادث خطف في حوران)، والتي سعى الكثيرون إلى حلّها من أبناء السهل والجبل، مقابل تعنّت من البلعوس في الإفراج عنهم، أثّرت على العلاقة ما بين المحافظتين وعلى صورة البلعوس لدى أبناء حوران نتيجة هذه الأفعال المدانة، وكان المرجو أن يُحلّ هذا الملفّ منذ زمن، وما زال المطلوب من حراك السويداء أن يفرج عن جميع أبناء حوران المختطفين في هذا الوقت كبادرة لتصفير المشاكل بين السهل والجبل، بعدما أوضح الجيش الحر عدم نيته دخول السويداء، ومع كون وجود داعش في اللجاة خطراً وعدواً مشتركاً بين الجميع.

دخول داعش الآن على الخط (من مناطق سيطرتهم في اللجاة) استغلالاً للفوضى وسعياً لتحقيق إنجاز دعائي في الجنوب قد ينقذ النظام ويعيد توحيد الجميع معه ضد “خطر أكبر”، وقد تجد من بعض المغيّبين أو السذّج من يهلّل لمسوخ داعش، جهلاً أو لامبالاةً بإجرام هذا التنظيم، أو تقديماً للخصومة مع أبناء السويداء نتيجة أفعال الخطف المدانة، أو نتيجة القناعة الغريبة وغير المفهومة بأن من أهداف الثورة أو الإسلام إكراه هؤلاء على أن يصبحوا سنّة !.
وهؤلاء لا يمثلون الخط الغالب في ثوار حوران لا شك، ولكن لا يمكن التفكير باستمرار وجود داعش على حدود حوران أو في قلبها (من خلال الخلايا التي تتبنى فكرها وخطابها ولو لم تعلن البيعة)، وجود داعش والقطع العسكرية المتبقية للنظام (اللواء 12 في إزرع، وحاميات الطريق الدولي، ومثلث الموت)، يجب أن يكونوا أولوية للتخطيط العسكري في حوران المرحلة القادمة، وهم مقدّمون على معركة المدينة التي أضحت استنزافاً للجيش الحر نتيجة الاستجابة لحملات التخوين والمزايدات السفيهة ممن لا يفعلون شيئاً سوى إسقاط من يحاولون الفعل.

كان من المهم للثورة منذ البداية، تحييد النسبة الأكبر من الأقليات عن دعم النظام، وعدم السعي مع النظام إلى إدحال الجميع في الحرب عنوة، وتجنّب المعارك في مناطقهم قدر الإمكان، هذا طبعاً مع التسليم بالمسؤولية المشتركة عن عدم دخول الأقليات في الثورة كمجتمعات وإنما كأفراد معارضين، وغنيّ عن الذكر أن الثورة تبنّت خطاباً وطنيّاً لا أثر فيه للسلفية الجهادية أو للطائفية كخطاب شرعي أو سردية للصراع، لمدة أكثر من عام، كانت المجازر فيها قد طالت آلاف المدنيين، ولا شك أن ثمة سنة أيضاً يدعمون النظام، هذا نقاش شائك ليس هذا محلّه.

ليس ضروريّاً أن يتبنى حراك السويداء علم الثورة، ولا على أحد إصدار بيانات رسمية بتبني هذا الحراك من خارجه، هذا يضر الحراك نفسه، ليشكل أبناء السويداء سلطتهم المستقلة عن النظام والمعارِضة له، وليس لنا ما داموا مستقلّين عن النظام ومعارضين له فرض سلطة عليهم، إلا بما يقررون مشاركتنا به،

ومن المهم للثورة، وللتفكير بحلّ سياسي أو تفاوضي قادم، وجود سلطات محلّية محيّدة عن سلطة النظام أو معركته في مناطق الأقليات خاصة، يمكن التفاهم معها والتفاوض معها بشكل أسهل وأكثر وطنية، باعتبار أن الاستقلال عن النظام هو استقلال عن المشروع الإيراني أيضاً.

وإن كنا سنلوم من لم يدخل معنا في الثورة تماماً، فآلاف (أو ملايين) “شباب” المناطق الثورية الجالسين في المخيمات أو الباحثين عن زوارق البحر أو يوتوبيات الغرب، عدا طبعاً من اختاروا ذبحنا وقتالنا بسكين داعش بعدما كانوا يعيشون بيننا ، هؤلاء أحق بالملامة من حراك معارِض لسلطة النظام، ولا يتبنّى عداوتنا كعقيدة أو هدف، ومن الممكن كسبه كحليف أو طرف محايد، لدينا فعليّاً فائض من الأعداء، وليس إنجازاً أن نطيل القائمة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s