داريا الكبرى

يروج النظام وحزب الله منذ وقت لتجهيز حملة ضخمة على داريا المحاصرة منذ ما يزيد عن ألف يوم، وقد بدأت هذه الحملة أمس بمحاولة اقتحام المدينة من ست محاور، وقع العدو في كمائن محكمة للجيش الحر وتكبد خسائر في الأرواح والعتاد، ولم يحقق أي تقدم حتى الآن.

تمثل داريا نموذجاً فريداً في الثورة السورية، وما يشبه “مدينة فاضلة” نادرة في تجارب الثورات والحروب، والتجربة “شبه الوحيدة” الناجحة للسلطة الثورية التي تمثل بديلاً عن الدولة.

داريا تمثل أطول مدة حصار في الثورة السورية، حيث المناطق المحاصرة الآن هي داريا وأحياء جنوب دمشق والغوطة الشرقية وريف حمص الشمالي، وتقع داريا على موقع خطير قرب مطار المزة والقصر الجمهوري، ورغم ذلك، ورغم حملات القصف والاقتحام والبراميل الكثيفة والعنيفة جداً التي حاولها النظام، لم يكتف ثوار داريا بالمحافظة على مواقعهم، بل تمكنوا من تحرير مواقع أخرى في معركة لهيب داريا بداية آب 2015م.

صعبٌ على من لم يعش زمن الحرب في المدن المهجورة من سكانها أن يعرف معنى ألف يوم في الحصار، أن ترى الناس أنفسهم والأماكن نفسها والطعام نفسه وحتى الأفعال نفسها كل يوم… ألف يوم.

وفي داريا أكبر تمركز تبقى للجيش الحر في الغوطة الغربية، إن لم يكن في ريف دمشق الغربي ككل (أو في مناطق الغوطة الغربية ووادي بردى والقلمون الغربي)، بعد سقوط عديد من المناطق ومهادنة مناطق أخرى وسيطرة داعش على مناطق ثالثة قبل الانسحاب منها لصالح حزب الله.
وفيما بعد الزبداني أصبحت داريا هي الهدف التالي لحملة استئصال الثورة والتغيير الديموغرافي الإيرانية، والتي تتركز في الجهة الغربية من دمشق وحمص إلى الساحل.

يتشكل الجيش الحر في داريا من (لواء شهداء الإسلام) ويمثل أغلب القوة المقاتلة وقائده النقيب أبو جمال من حمص ومن خيرة ضباط الثورة، وهو جزء من تحالف الجبهة الجنوبية، ثم الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام، ولا وجود لأي فصائل أخرى على الإطلاق (كما لا وجود للشرعيين)، وإن حاول البعض العبث بصفاء الثورة بإدخال الأدلجة إلى المدينة وشق صف الجيش الحر، ولكن وعي شباب داريا الثوري والديني وحرصهم على مصلحة داريا حال دون ذلك.

يدير داريا مجلس مدني يتبع له المكتب العسكري، ضمن تفاهمات مؤسسية وثورية، دون خلافات منهجية ولا مزايدات، ولا اختلاف على علم الثورة وشعاراتها، ومثلت بذلك أنظف وأنجح نماذج الثورة.

كان لهول المجزرة ثم الحصار إضافة إلى طبيعة المعركة الصعبة وعدم دخول الأدلجة، دور كبير في التوافق الثوري الذي عاشته داريا رغم ظروف الحصار والحرب الصعبة وعدم وجود دعم نوعي، ساعد ذلك على وجود قوات نخبة نوعية للجيش الحر في داريا، استطاعت تحويل عدة أحياء محاصرة إلى قلعة حقيقية، وحولت منافذها بالنسبة لقوات النظام إلى بوابات الرعب، بسبب المهارات القتالية والتكتيكية العالية لدى ثوار داريا، وإتقان خدع وتقنيات حرب العصابات ضمن المدن، إضافة إلى التوافق الثوري المؤسسي داخل المدينة.

لدى الجيش الحر في داريا دبابة واحدة فقط، اغتنمها الشباب من النظام، ثم اغتنموا الصواريخ وقاعدة الصواريخ التي أرسلت لتدميرها. وصدوا بها، وبسواعدهم وإيمانهم قبل ذلك، عشرات محاولات الاقتحام التي شنّها النظام، ولا سلاح ثقيل ولا تاو ولا دعم كبير، لديهم إيمانهم وتوافقهم على علم الثورة وأنهم مجاهدون دون الحاجة إلى مزايدات أو تكفير ويكفي.

ولعلّ الطابع “المديني” والمثقف الغالب على الجيش الحر في داريا، وعلى ثوارها بعامة، من العلامات الفارقة لهذا النموذج أيضاً، حيث تخلى النخب والمثقفون في أغلب التجارب الأخرى عن الانخراط المباشر في الحراك الثوري وصفوف الجيش الحر، وفضلوا موقع التضامن أو العمل من بعيد، ثورة المتروكين كما أسميتُها في دراسة عن هذا الأمر.

وثمة مجال واسع لدراسة الحراك المدني والتربوي “الإسلامي” قبل الثورة في مدينة داريا، والحواضن والمجموعات التي أسست العمل الثوري ضمنها، وكانت الحامل الحقيقي للحراك الثوري، وتنطبق هذه الحاجة لدراسة “الجذور” على المدن الأخرى أيضاً، وإن بشكل أقلّ وضوحاً.

استطاع الجيش الحر صد الهجمة الأولى بتفوق ظاهر، أمس واليوم، وتكبيد العدو خسائر واضحة، ولكن لا يمكن الحكم على حجم الحملة واستمراريتها بعد، وعلينا التعامل مع الحملة باعتبارها مجهزة لمدة طويلة، على مستوى الإعداد العسكري والإعلامي، دون الخدر بالانتصارات اللحظية على أهميتها وبطوليتها.
كما أن الفصائل حول داريا وذات العتاد الأثقل والأوفر، والجبهات المتبقية في ريف دمشق الغربي، حيث الضغط العسكري أقلّ نسبيّاً، هي مسؤولة بشكل مضاعف عن تخفيف الحملة على داريا، دون الدخول في مهاترات تخوين أي أحد أو الانتقاص من جهده، ومع الاحترام لاجتهاد وخطة كل فصيل، وهنا أخص بالذكر الإخوة في تحالف الراية الواحدة في خان الشيح، وجبهة مثلث الموت والخط الفاصل بين ريف القنيطرة الشمالي وريف دمشق الغربي بعامة، إضافة إلى جبهات حوران على مستوى أعم.

داريا ثورتنا النقية الصامدة التي أردناها، ومدينتنا المحاصرة المدمرة كما أرادوها، وحلمُنا بالحرية الذي لن يسرقه أحد، وأسطورتنا الحقيقية التي سينقلها أبناء من يتبقى للتاريخ.

والله غالب

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s