يقين ابن الريب

في قصيدة مالك بن الريب العظيمة:

ألا ليت شِعري هل أبيتنَ ليلةً
بجنب الغضى أزجي القلاصَ النواجيا

نموذج أكثر صدقيةً وقليلاً ما قاله أحد لأنه يخالف السرديات الكبرى الواجبة، لا لحالة رثاء النفس وحدها، وإنما بالأحرى للحظة احتضار المقاتل، هذه الفئة من المقاتلين البعيدين عن أهلهم والوحيدين بين جموع الجيوش، كانت منذ بدء التاريخ شعب الإنسانية الضخم والأكثر حركة في ماء الزمن الراكد الذي يستحيل بنزيفهم المديد دماً.

تقول قصة ابن الريب (وهو اسم ذو دلالة)، أنه وجد اليقين متأخّراً بعدما عاش قاطع طريق ذا فتوة وترف وجمال، فتحوّل للجهاد بعدما طلب منه ذلك سعيد بن عثمان بن عفان يوم ولّاه معاوية بن أبي سفيان على خراسان (56 هـ)، ويذكر تحوّله هذا في بيت واحد لا غير من قصيدته:

ألمْ ترَني بعتُ الضلالةَ بالهدى
وأصبحتُ في جيش ابن عفّان غازيا

عاش ابن الريب في زمن لم يكن الإسلام فيه يحتاج إلى تأكيد بين كل كلمتين، ولا يحتاج الجهاد فيه إلى أكثر من أن يكون في المعركة ضد الأعداء، كان في زمن ما قبل المقدسي والزرقاوي … (إلى آخر البشاعات التي قد تفسد رونق القصيدة).

ولكنه لم يُقتل في معركة، لا أمام الكفار ولا التجار، وإنما لسعته أفعى في طريق الجهاد، فلبث أيّاماً غريباً ينتظر الموت في أرض الأعداء العجم قرب مدينة مرو، بعيداً عن ابنته التي كانت -كالنساء- ترى الغيب بعينٍ باكية

تقولُ ابنتي لما رأتْ طولَ رحلتي
سفارُكَ هذا تاركي لا أبا ليا

وبعيداً عن أهله والغضا والفرسان الذين يُخلقون بين الرمال وعن التهتك في العتمات وبعيداً عن صبا نجد… وعن صبايا نجد

لعمْريْ لئنْ غالتْ خراسانُ هامتي
لقد كنتُ عن بابَي خراسان نائيا

في احتضاره، لم يدّعِ ابن الريب انشغاله بمصير الآخرة، ولا خوفه على تطبيق الشريعة، تدحرجت عنه الألقاب وقابل الموت كما هو، إنسان فردٌ غريب يعاني الوحدة والحنين، مثل كل ميت، ومثل كلّ حي أيضاً.
لعلّ أصدق شجون ابن الريب في القصيدة، وأغربها أيضاً، وأكثرها ترداداً، هي أنه لم ينشغل بمن يحبّهم، وإنما بمن أحبوه، كان سؤاله الرئيس -غير الوجودي ولا الفلسفي- في انتظار الموت هو من سيبكي عليه هو

تذكّرتُ من يبْكي عليّ فلم أجدْ
سوى السيفِ والرمحِ الردينيّ باكيا
وأشقر محبوكٍ يجرّ عنانَه
إلى الماء… لم يتركْ له الموتُ ساقيا

ثمة ما هو أقتل من الموت، أن تنتظره وحيداً، ولكن ثمة سلوى في الغربة النائية، كان ثمة في البعيد من سيبكيه…

ولكن بأطرافِ السمُّينةِ نسوةٌ
عزيزٌ عليهنّ العشيّة ما بِيا !

وزّع ابن الريب وصايا الدفن لمرافقي موته، وصايا تقنية سريعة، وتذكّر شجيّ لأيام الفتوة وجندلة الأعداء، ولكن “طقس العبور” الذي اختاره في النهاية كان نحو قِبلته الأخرى، أو بالأحرى نحو قبلته الأولى، كان اهتمامه الأخير بألّا ينسوا وحدته، بأن تتذكره نساء الحي خاصة

وقوما على بئر السُّمَينة أسمِعا
بها الغُرَّ والبيضَ الحِسان الرَّوانيا
بأنّكما خلّفتُماني بقَفْرةٍ
تهيلُ عليّ الريحُ فيها السّوافيا

وأن تتذكره (أم مالك)، وأن تبكي عليه، وتزور قبره، كان ابن الريب النائي في الجغرافيا حريصاً أكثر على ألا ينأى عن ذاكرة المحبين

فيا ليتَ شعري هل بكتْ أمُّ مالكٍ
كما كنتُ لو عالَوا نَعِيَّكِ باكِيا
إذا مُتُّ فاعتادي القبورَ… وسلّمي
على الرمسّ… أُسقيتِ السحابَ الغَواديا

كان ابن الريب واضحاً، لم ينتظر من الرجال البكاء، وإنّما أبلغهم السلام وتحيات الرجال السريعة، كان هذا كافياً

وبلغ أخي عمران بردي ومئزري
وبلغ عجوزي اليوم أن لا تدانيا
وسلم على شيخيّ مني كليهما
وبلغ كثيراً وابن عمي وخاليا

سيبكي عليه من يحبونه، كان هذا نبوءته وسلواه ويقينه الذي واجه به الموت والوحدة والغربة الأخيرة

وعطّل قلوصي في الركاب… فإنها
سَتَفلِقُ أكباداً وتُبْكي بواكيا
.
.
.
بعيدٌ غريبُ الدار ثاوٍ بقفرة
يدَ الدهر معروفاً بأنْ لا تدانيا
أقلّب طرفي حول رحلي… فلا أرى
به من عيون المؤنسات مراعيا
وبالرّمل مني نسوةٌ لو شهدْنني
بكين وفدّين الطبيب المداويا
فمنهن أمّي وابنتاها وخالتي
وباكيةٌ أخرى تهيج البواكيا
وما كان عهد الرّمل مني وأهلهِ
ذميماً… ولا بالرّملِ ودّعتُ قاليا

مضحكٌ هو الإنسان … وحزين

رحمه الله

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s