إن بالشِّعب الذي دون سِلعٍ

من بين كتابات محمود محمد شاكر، ولدى سؤال الكتاب المفضل، أحتار دوماً في المفاضلة بين كتابين فقط، هما كتابه عن المتنبي وكتابه “نمط صعب ونمط مخيف” في نقد وشرح قصيدة “إن بالشِّعْبِ الذي دون سِلْعٍ”، المختلف في نسبتها والتي قرر أبو فهر في هذا الكتاب أنها لـابن أخت تأبط شرّاً، كما سبق أن قرّر في كتابه عن المتنبي أنه كان علويّ النسب، وهو القرار الذي يفسّر من خلاله سجنه واتهامه بالتنبّؤ وتعلقه بجدته وتقربه من سيف الدولة ومدحه لهذا الأمير وهجاءه لذاك، ويصبح مفتاحاً لتفسير شعره وحياته وشخصيته، دون دليل يقيني سوى شعوره بذلك، وهذه الثقة التحليلة تُضاف للجمال الأخّاذ لكتابه عن المتنبي، الذي يُقرأ بلا ملل، ولا شعور برماد الموتى أو غبار التاريخ من فرط حياة النصّ، وزخمه البلاغي والنقدي والوجداني، كان مقصد أبي فهر أن يكتبه من داخل قلب المتنبي وانفعالاته.

أما كتابه الآخر، رغم أنه قد يزداد حجماً على النسخة الأصل من “المتنبي”، إلا أنه لم يكن عن شاعر بقدر ما كان عن قصيدة، سيادة تامة للغة، مؤلف مجهول عن أبطال مجهولين في قصة مجهولة، ولم يبق ثمة إلا القصيدة، إلا اللغة.
وبداية الكتاب من إعجاب الشاعر الألماني غوته بالقصيدة وكتابته شرحاً عنها، واحتفال الأدباء العرب بذلك، وهذا ما أزعج شاكر (كعادته) ودفعه لتبيين قيمة القصيدة، وكيف ينبغي أن يُقرأ الشعر، ويُكتب النقد، فقدّم نموذجاً شاملاً للنقد الأدبي، أو هو بالأحرى يتجاوز الشمول، لأنه -كما فعل مع المتنبي- حاول قراءة انفعالات القصيدة نفسها، ليعرف صاحبها من ذلك، ويعرف أنه كتبها على أزمان متعددة، وعلى أمزجة مختلفة، بل حدّد وقت كتابة كلّ مقطع منها، ومزاج الشاعر وقت قاله، بل في أحدها حدّد صفة الصخرة التي كان يجلس عليها حين قال أبياته تلك !
400 صفحة في شرح 26 بيتاً، نَفَس واحد، وروعة أخّاذة، وثقة فاتنة، وقصيدة ذات جرس عبقري (من يخطئ الدفق الموسيقي المنساب في هذه القطعة:

وفُتُوٍّ هجّروا ثمّ أسْرَوْا ليْلَهم حتى إذا انْجابَ حلّوا
كلّ ماضٍ قدْ تردّى بماضٍ كَسَنا البَرْقِ إذا ما يُسلُّ
فادَّرَكْنا الثأْرَ منهمْ ولمّا ينْجُ مِلْحَيّينِ إلا الأقلُّ
فاحْتَسَوا أنْفاسَ نَوْمٍ فلمّا هوّموا رُعْتُهم فاشْمَعلّوا

من يملّ ذلك؟، ومن لا يخشى الكتابة في ذلك بعدها ؟!، ربما كان هذا حقاً مقصده من أنه “نمط صعب… ونمط مخيف”، أكثر مما قصد القصيدة.

وعموماً قد تذكّرتُ ذلك، لأنني منذ قرأت هذا الكتاب، أكاد لا أنسى يوماً، ضمن رحلتنا في الثأر الطويل، والدم الثقيل، أن أردد خطبة البداية في أبيات “ابن أخت تأبّط شرّاً”، التي تحكينا كثوّار ننقص كلّ يوم بينما يزيد الراحلون والأعداء:

إنّ بالشِّعْبِ الذي دونَ سِلْعٍ
لقتيلاً دمُه ما يُطلُّ
خَلَفَ العبْءَ عليّ وولّى
أنا بالعِبْءِ له مستقلُّ

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s