في الصعود السياسي للفصائل

قد يبدو زعماً غريباً ضمن موجة الهجوم الدائم على الثوار المقاتلين، ولكن من بين “الأوساط” المختلفة في الثورة السورية، وأزعم أنني تعاملت مع معظمها وإن كنت غالب الوقت بين الفصائل، يتضح مع الوقت أن وسط الفصائل المقاتلة أكثر وعياً (أو يصبح كذلك) بحدود قدرته ومسؤوليته وقابليةً للتعامل بمستوى الدولة وحتى تقبل التعدد والاختلاف (لا شك أن هذه الأخيرة تحتاج عملاً مضاعفاً بعد مزايدات الغلاة التي أغرقت الساحة وشوّهت الوعي العام)، ولا أتكلم عن التفاني أو التضحية هنا.

لقد وقعت هذه الفصائل ضمن دخولها “الخشن” في المجال العام والتجربة السياسية في أخطاء جسيمة، بعضها كارثي وما زلنا نعاني منه حتى اللحظة (مثل إسقاط هيئة الأركان، والسماح بتمدد الغلاة)، ولكن الآخرين كانوا دوماً متأخرين عن تحمل مسؤوليتهم في هذه التجربة، وأن يضعوا أنفسهم في محرقة التاريخ هذه مقابل ألا يكتفوا بوضع المثل وادعاء التفوق الأخلاقي عن بعد.

والآخرون في هذا بالذات، إن تكلمنا عن الائتلاف والحكومة والمنظمات، لم يقدموا نموذجاً أفضل من الناحية التنظيمية، أو من ناحية تقديم المصلحة الثورية على المصالح الشخصية والاختلافات.

كانت الفصائل وحدها من يمكن أن تمنح الشرعية الميدانية للائتلاف، كما أنها وحدها من يمكنها منح السلطة الواقعية للحكومة المؤقتة، وحرية العمل المدني للمنظمات.

بالنسبة للائتلاف مثلاً، ومع التقدير والاحترام للشخصيات الوطنية المحترمة فيه (خالد خوجة وبرهان غليون وهشام مروة وغيرهم دون حصر)، ولكن تم إقصاء هذه الفصائل من بنية الائتلاف وحين تم إضافة 15 مقعداً عسكرياً، لم تكن من اختيار الفصائل الفاعلة أو كعاكسة لميزان القوى، عدا عن أنها نسبة مكسورة لا تسمح بالتشارك الحقيقي في التمثيل السياسي للثورة، رغم أن الفصائل -جميعاً- سعت إلى إصلاح علاقتها بالائتلاف، ولكن خلل النسبة هذا، وتمسّك عدد كبير من أعضاء الائتلاف بمكان ليسوا هم أولى من يملؤه، باعتبارهم يفقدون التمثيل والتأثير الحقيقي، أعاق وما زال أن يكون الائتلاف واجهة سياسية ناضجة ومجمعاً عليها.

دون التطرق طبعاً للاشتباكات الداخلية الأخيرة حول حضور مؤتمر الرياض، كصراع على الوقد الحاضر، وهي صراعات مضحكة أو خالية من المعنى، لأنها صراعات مجموعات سياسية تمثل أسماءها فقط، لا كتمثيل لشعبية أو فكر أو قوة على الأرض.

أما الحكومة، مع التقدير لأهمية وجود جسم مؤسسي وضدّ أي دعوة لإسقاطه أو قبول مزايدات الغلاة ضده، ولكن لعلّ التصريحات الخرقاء المتكررة لرئيس الحكومة نفسه ضد الفصائل كافية لتقدير القيمة التي انحدرت إليها هذه الواجهة، أحياناً نشعر أن هناك “مؤامرة” حقّاً لتكون واجهات الثورة بهذا المستوى من اللانضج والسذاجة والرعونة.
أي بلد في العالم، بل أي ثورة أو حرب في التاريخ، ينصّب فيها رجل كرئيس حكومة معارضة، ويكون شغله الشاغل البحث عن أي منبر لشتم وتخوين القوة المقاتلة لهذه المعارضة، والتي لا قيمة بل لا وجود لهذه المعارضة لولاها ؟!
وماذا يتبقى من ثورية شخص لا يتكلم عن الفصائل إلا باعتبارهم أمراء حرب ومرتزقة وعصابات وقطاع طرق ؟!، بل أي كرامة يستبطنها في نفسه من يقول في مكان عام لتحقير الفصائل إنه لولا التاو لسحقت روسيا الجيش الحر ولم تبق منه أحداً ؟!، بل أيّ عقل أو مسؤولية يحملها من يصف عشية اجتماع فيينا ( وعلى جدوله بحث تصنيف الفصائل الإرهابية) إحدى أكبر فصائل الجيش الحر في الشمال السوري بكونها متطرفة ؟!
ثم يكون ذنب هذه الفصائل إن لم تقرّ بمرجعيّته عليها ؟!
وهل تتحمل الثورة كلّها ضريبة أن أحد ممثليها لا يستطيع التحكم بأعصابه وضغطه النفسي ولا يقدّر مسؤولية كلمته (هذره)في المجال العام، ومن يجبره أن يتصدّر أساساً ؟!

إن مستوى التعامل الرسمي لهؤلاء مخجل حتى، دون سرد حوادث أعرفها.

وأزعم أنني حضرت وأحياناً رتبت لقاءات كثيرة لقادة فصائل ومكاتب سياسية مع بعضها أو مع شخصيات فكرية وسياسية مختلفة لدرجة بعيدة، عدا عن اختلافي الفكري أساساً مع كثير منهم، دون أن يؤثر ذلك على أننا في بحث دائم عن مصلحة الثورة، قضية وجودنا الأولى والوحيدة، لأن هزيمة الثورة تعني شيئاً واحداً فقط: أننا لم نعد موجودين.

ورغم حداثة التجربة أو الكفاءة للمكاتب السياسية للفصائل في البداية، ويُلاحظ أن هذا النشاط تكثف في الأشهر الستة الأخيرة، فإنها استطاعت تطوير قدراتها وتواصلها وتماسك مواقفها المشتركة في وقت سريع، ولعله من الملاحظ أن معظم المواقف والبيانات السياسية للفصائل موحدة منذ بداية العام، ومعظم الاختلافات تذوب فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، وإن كانت ناقصة دوماً دون توحد داخلي على واجهة عسكرية وسياسية، تضع حداً لهذا التفكك التنظيمي ولهشاشة السلطة الثورية على الأرض.

عدا عن أن نضج هذه الفصائل وتطور وعيها الفكري والسياسي، مرهون بقدرتها على الاستفادة من الكفاءات والخبرات من خارجها، ومن خارج دائرة “الإسلاميين” الضيقة خاصة، عدا عن ضرورة التأكيد على قضية الحرية والإيمان بالتعددية كمبدأ، وهي في كل الأحوال تجربة في طور التشكل، ولم تبلغ مداها الناضج بعد.

والله أعلم

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s