سقف الثورة لا بلاط الدول

منذ بدء التحالف الدولي ضد داعش، وبعد التدخل الروسي، يجد الخطاب الداعي للتعاون مع نظام الأسد لمكافحة الإرهاب صدى مضاعفاً غربيّاً أكثر مما كانت تلقاه دعوة كهذه لتطبيع العلاقة مع النظام في 2012م، باعتباره نظام قوة قائماً، ولو كان يتعارض مع نظام الأخلاق الإنساني فهذا ليس مهماً. وتاريخ الديمقراطية الأمريكية عموماً حافل بدعم الديكتاتوريات العسكرية في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، وإعادة أي نظام إلى الحظيرة الدولية ليس مرهوناً بدرجة إجرامه، وإنما بمدى التوافق الدولي على تجريمه، وهذا أمر يتغير، وإن كان مستبعداً في المدى المنظور أن تتبنى الولايات المتحدة مقاربة كهذه رسميّاً، إلا أن الإبقاء على النظام منذ خمس سنين يندرج ضمنها.

إن الركيزة الأولى التي ينبغي أن تنبني عليها خطاباتنا الثورية، السياسية منها قبل العسكرية، وبالنسبة للفصائل والائتلاف ومؤتمر الرياض، هو اعتبار نظام الأسد ومؤسساته مجرمي حرب ومجرمين ضد الإنسانية، واعتبار محاكمتهم شرطنا الأول لأي عملية سياسية.
نحن ثوريون ومجاهدون وأصحاب قضية، نحمل دماء شهدائنا ونمثّل معاناة شعبنا منذ نصف قرن، ولو بقينا سنين أخرى فلن تكون مهمتنا نحن أن نتنازل عن العدالة.

طبيعي أن تطمع الدول في أن نخفض سقف خطابنا ومطالبنا، وليست السياسة أن نستجيب لذلك بدعوى الممكن.
كما أن التخلي عن خطابنا ورموزنا الثورية، وفي مقدمتها علم الثورة في اللقاءات الرسمية (والذي تكرر من الدكتور خالد خوجة أكثر من مرة)، ليس مهارة دبلوماسية، وقد يكون ضمن الممكن لكنه ليس فنّاً ولا سياسة بأي حال، إن سقفنا هو الثورة ولو حوربنا وحاربنا سنين أخرى.

على كل الدول عربية أو غربية معرفة أنه لا استقرار ولا حل في سوريا والمشرق العربي، إلا بالاعتراف بالثورة السورية كنظام شرعي، بل هو نظام الشرعية البديل والوحيد، وأن الأسد وحلفاءه هم جذور الإرهاب وأدواته.
وأي مؤتمر أو وفد أو مشروع لا يعتمد على فصائل الثورة باعتبارها نواته الأساس، محكوم عليه بالفشل وفقدان شرعية التمثيل وفاعلية التأثير.

نحن الثوار من نمثل مأساة الشعب السوري، ومن قُتلوا وشُرّدوا هم أهالينا نحن لا سوانا، ولو كنا سنختار الأمان على العدالة، لما بدأنا هذه الحرب، وليس اكتشافاً أن الرضوخ لخيارات القتلة سيوفر رغد العيش.
حين اخترنا الثورة، رضينا أن نترك أهلنا ونتخلى عن الدراسة والوظائف وراحة البيوت والزوجات، ليس لأجل أن نصالح القتلة ونعود للعيش الرغيد بعد شهور ولا سنين، وما كان حلاً للمتعبين من تكاليف الثورة، ليس حلاً للكرامة، ولن يكون هديتنا للشهداء.

علاقتنا بالدول الحليفة وأي لقاء يحقق مصلحة الشعب السوري نحن معه، لن نتقوقع عن العالم، ولكن في سبيل خدمة قضيتنا وتحقيق العدالة ومحاكمة الأسد وكلّ مؤسساته ورموزه، لا شراكتهم.

لقد قدمت فصائل الجيش الحر والثورة السورية أعظم تضحيات وبطولات عرفها تاريخ الثورات وساحات الجهاد، ولكن آن أن تتجاوز المعارك الصغرى والمشاريع الوهمية، في واجهة ثورية موحدة.
لا اختلافات فكرية حقيقية بين الفصائل الكبرى، تقدير خطورة الوضع وضرورة تشكيل واجهة عسكرية سياسية موحدة ينبغي أن يكفي لتجاوز الحساسيات الشخصية.
طالما سمعنا من أحرار الشام وجيش الإسلام وفصائل حلب ودرعا الجميع، شعارات التوحد ونبذ الفصائلية، ولكن لا قيمة للشعارات الجميلة ما لم تترجم مؤسسياً وتتحقق هذه الواجهة ونعود لراية الجيش الحر الواحدة، ولو دون اندماج، وكلّ من يؤخر تحقيقها إن لم يحاسَب في الدنيا فهو محاسَب أمام محكمة التاريخ ودماء الشهداء، وأمام عدل الله الأجلّ الأعلى.

والله غالب

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s